ديوان الأستاذ محمدن ابن إيشدو"أغاني الوطن".. حديث ذو شجون (ح1 /2)
الأربعاء, 07 مارس 2012 12:07

 

راجعه: محمدُّ سالم ابن جدُّ

altعلى امتداد 332 صفحة من القطع المتوسط، وبغلاف ملون رائع متعدد الإيحاءات، صدر عن مطبعة ديوان الكتاب للثقافة والنشر ببيروت ديوان الأستاذ محمدن ابن إيشدو الذي اختار له أن يكون "أغاني الوطن" وخلافا لما يظن ظنون فليست أغاني راقصة مائعة؛ بل هي أغان غالبا ما يعتصرها الأسى، وتجسد المعاناة وتستشرف المستقبل.. أغان تعبر بعمق عن معاناة وطن اختزل في ديوان شعر على طريقة القائل:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا      نحن روحان حللنا بــدنا

فإذا أبصرته أبصــــــرتني       وإذا أبصرتني أبصرتنا!

يحتوي الديوان زهاء 90 نصا منها العمودي ومنها "شعر التفعلة" الذي يعد الشاعر أول من كتبه من شعراء بلادنا؛ وهي حقيقة ربما لا يعرفها الكثير كما سيأتي.

بعد الإهداء تطالعنا مقدمة كتبها الشاعر النائب أحمدو ولد عبد القادر، اختار لها أن تكون انطباعا عن الديوان وصاحبه ضمنها معلومات قد لا يعرفها شباب اليوم عن الأستاذ إيشدو، وفيها يقول:

"وعليَّ هنا أن أنبه - إنصافا للحقيقة- عكسا لما نسمع من بعض المحاضرين والأساتذة.. أن تاريخ ميلاد شعر التفعلة المتحرر من القافية، جاء في العام 1971 بكتابة قصيدة "ليلة عند الدرك" من إنتاج معد هذه المقدمة؛ والحقيقة أن الأستاذ إشدو هو الأسبق إلى تجربة هذا النمط في الكتابة الشعرية. وفي هذه المدونة نماذج من تلك  النصوص المبكرة جدا؛ بالنظر إلى طبيعة البيئة الثقافية السائدة حتى 1967 – 1968".

يلي تلك المقدمة تمهيد موجز بقلم الشاعر نفسه يقول فيه بتواضع جم:

"لولا إلحاح بعض، ومساعدة البعض؛ لما وصلت إليك هذه النصوص التي ضاع بعضها.. وكاد الباقي يكون تركة بعدي!

وليس ذلك عن قلى؛ فهي عمري، وديوان لحظة من حياة أهلي ووطني.

بل مرده إلى علاقتي بالشعر؛ فأنا لست شاعرا يستحق شعره النشر، ولم أمتهن الشعر قط.. رغم شغفي به وقرضي له منذ صباي!

يضاف إلى ذلك أن المصير الذي آل إليه الشعر -كغيره من القيم- في بلاد المليون شاعر في عهد الانحطاط! جعلني أبتعد أحيانا عن ساحته الغراء.. أو أجعله -إن نزل- حديث النفس للنفس.. فعلاقتنا -في أغلب الأحيان- علاقة حميمة: من دون الجميع أبثه أحزاني، وأشكو إليه همومي، وأرسم به بعض اللوحات التي أريد لها الخلود".

تتوالى النصوص في صلب الديوان حسب ترتيبها الزمني بدءا من 1964 وانتهاء بـ2003؛ متوزعة بين أبعاد شتى يجمعها كلها الدوران في فلك هذه الربوع من زوايا مختلفة؛ ورغم أنني لا أريد لهذه الانطباعات العفوية عن الديوان أن تكون دراسة مرجعية عنه (بل ولا أجد الوقت لذلك) فإن من الملاحظات التي خرجت بها من غلافه الأيسر:

1. توزع الديوان بين دوائر متداخلة تمتد من الشخصية إلى الإنسانية مرورا بالوطنية والقومية؛ بحيث قد يتحدث الشاعر عن نفسه أو محيطه الأسري وهو إنما يتخذه ذريعة للحديث عن الوطن كما في "أبوك يبكي الكرامة".. سلوا مرحبا، أطفالنا يتساءلون.. إلخ.

2. توقد العاطفة عند ما يتعلق الأمر بالنواحي الإنسانية، وعندما يقتنص الخيال الشاعري الجياش فرصة عابرة ليعلن عن نفسه قبل أن تطويه شؤون النضال والتضحية (مناجاة) .

3. الشدة مع المخالف؛ بيد أن الخلاف –دائما في الديوان- خلاف مبادئ أو مواقف وليس خلافا شخصيا.

4.التزام الشأن الوطني واستبطانه حتى في النصوص التي يفترض أنها تهتم بالشأن الخارجي، وحتى في التفاصيل الدقيقة التي لا تخلو من طرافة (قصيدة الزيز ومقدمتها النثرية مثلا).

5. لعل السمة الغالبة على الديوان هي الثورة والتمرد؛ وهو تمرد يبدأ من أول نص في الديوان (رسالة الشباب) ويستمر كذلك حتى أخر جملة منه (حماقات البشر)

وفيما بين البداية والنهاية تتوالى النصوص معربة عن نفسها بنفسها تحمل شحنة فنية ومحتوى سياسيا رافضا للخنوع والركوع والتسليم بالأمر الواقع؛ ولا عجب فالأستاذ إيشدو ناهض ما يراه ظلما أو باطلا على امتداد تاريخ الدولة الموريتانية، وظل مصرا على موقفه دون مهادنة حتى اليوم.

حضور الهم الوطني

رغم أن الديوان في الوطن وله ومن أجله فمن أمثلة النصوص التي يمكن التمثيل بها لهذا الشأن: رسالة الشباب، طابور، لماذا الجيش؟ يا كلمتي، إلى متى؟ يا وطني، ملك الإنسان للإنسان، هذه أرض جدودي، ذكرى المجازر في البطاح، تجكجة المناضلة، المذرذرة المناضلة، يذكرني شروق الشمس، تلمسي..

طابور

ثلاث ساعات تدور..

حول الصخور..

بين القبور..

- "طابور"!

-"طابور؟

ـ يا دكتور

طفلي يموت

بباب المستشفى

بدون دواء!

يا للمصير!

أين الضمير؟

أين النصير"؟

***

-"طابور"!

-"أمرك يا دكتور".

***

والدكتور

- من بابه الخلفي-

يدخل العظماء

يدخل الأغنياء

يدخل الأصدقاء

يدخل الأقرباء

يُفحصون..

يُعالَجون..

بالمجان

"يتسامرون"

..ويضحكون..

باطمئنان

في أمان

يشربون..

يدخنون..

وينتقدون:

-"هذه الفوضى"!

-"هذه الضوضاء"!

-"هذا الوباء"!

- "هؤلاء البؤساء"!

-"هؤلاء الأشقياء"!

-"إنهم حقا متعِبون"!

-".. ومتوحشون"!

-"لماذا يتجمعون"؟

-"ماذا يريدون"؟

-"إنهم حقا مضحكون"!

-"لماذا يعيشون"؟

"ها.. ها..ها.."

... ويخرجون!

***

-"يا دكتور..

طفلي يموت"

-" انتهى العمل".

-"ارحمني"

-" لا أمل..

- أ.. عودي المساء"

-"المساء؟

يا للشقاء!

طفلي يموت

بباب المستشفى

بدون دواء..

... ثلاثة أيام

بدون طعام

بدون منام

وسط الزحام

خلف هذا الباب

أنتظر الدور

لأقابل الدكتور

لأنقذ وحيدي من الممات

لكن هيهات"!      

*** 

...وتمضي الساعات

كأنها قرون

من جنون!

***

... وجاء الدكتور!

صاح الجمهور:

ـ "وضع خطير

طفل يموت"

ـ "طابور"!

... وانطفأ النور!

- "سنثور"!.

كيفه 1967

 

 

تلمسي

(في السجن الانفرادي في باسكنو)

من عجيب العجيب أن تلمسي   تصبح اليوم ذات شأن بنــفسي

ها أنا اليوم في تلمسي أســـير   أي عهد بيني وبين تلمــــــسي؟

أين مني عرائس البحر؟ أين الــگبله مني؟ وأين مسقط رأسي؟

نفحة من عبير تلك الروابي      كيف تغدو هنا رهينة رمــــس؟!

ووميض من فجرها قد تلالا      كيف يخبو؛ وليلها جد مُغْـــسِ؟!

ونشيد من "مَاغَجُّوگَه" أصيل   كيف  يحلو دون انْتَمَاس وكَرْسِ

***

رب يوم هناك كنت سعـيدا       بين إنسي.. وليلة طاب أُنـــــــــسي

ألثم البدر في الشفاه رحيقا                ملء نفسي؛ وصهوة الشمس كأسي

لا أبالي بحادثات اللــيالي                أنفق العمر بين جَنْيٍ وَغَــــــــرْسِ

أقفرت تلكم الربوع وذلت         بعد عز.. فيومها غـــــــــــير أمس

"حين غابت بنو أمية عنها       والبهاليل من بني عبد شــــــــمس"

"ذكرتنيهم الخطوب التوالي      ولقد تُذْكِرُ الخطوب.. وتُنـــــــسي"

 

 

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 8 زوار  على الموقع