في ذكرى المناضل البطل سيدي محمد ولد سميدع رحمه الله (ح 4)
الاثنين, 22 يناير 2018 14:40

 

altفي ذكرى المناضل سيدي محمد ولد سميدع

من هذه الربوع تحركت الأحياء من بني يعقوب وتفرعت الفروع عن الأصول فتفرع عن أحمد متاع الله بن يعقوب فرعا أهل أشفغ المختار وأهل محمذن محمود، وعن أهل محمذن محمود تفرع - والتفريع ليس مشكلا- أهل سُميدع.

محمد الأمين ولد سُميدع "ولد لولادْ" نشأ وترعرع بأرض الگبلة وتنقل حدثا بين الغابة وانكّيكّـمْ ووِرِير وبولنواعْ وتنيّير وانتفاشيت والمبروك. حفظ القرآن ودرس اللغة والفقه فكان له باع طويل في المعارف ومشاركات في العلوم. له تفسيرات للقرآن وإسهامات في اللغة وشرح على الكفاف. مارس التجارة وهاجر إلى الشمال واستقر به المقام في أطار، وكان أول مفتش تعليم في انواذيبو، تزوج امرأة من السماسيد رزق منها سنة 1945 بطفل سماه سيدي محمد، نشأ كما ينشأ ناشئ الفتيان من قومه؛ فقد علمه أبوه الكثير. ظهرت عليه مخايل النباهة والذكاء حدثا، وحين شب عن الطوق ودخل المدرسة نهض بأعباء الأممية.

كانت أصداء حركة الزعيم أحمدُ ولد حرمة وأفكار رابطة "A JM"وحركة النهضة وحزب الاتحاد التقدمي تتردد بين كثبان وكُدى المنتبذ القصي، وأخبار ثورتي الجزائر ومصر تملأ الدنيا. وحين بلغ سيدي محمد الخامسة عشرة استقل المنتبذ القصي سنة 1960 في ظروف بالغة التعقيد. كان استقلالا خديجا قام على اتفاقيات مجحفة مع فرنسا، وكأن لسان حال أهله يقول: "ما لا يدرك كله لا يترك جله".

ولم يدرك الاستقلال كله؛ فقد جاء مشفوعاً باتفاقية 19 /1/ 1961 المسماة باتفاقية الصداقة والتعاون، والتي تعطي فرنسا حق الاحتفاظ بشؤون الدفاع، والخارجية، والاقتصاد والثقافة.. ومن المفارقات أن بعثة ذهبت إلى فرنسا للتفاوض بشأن سحب أو تقليص القواعد الفرنسية فرجعت وقد ازدادت القواعد بقاعدة دفاع جديدة في انواذيبو!

كان كل شيء ناقصا، فتولدت الحركة الوطنية ولديها ما تطالب به مختصرا في الاستقلال التام؛ والذي لا يتم إلا بترحيل الفنيين والإداريين الفرنسيين وسحب القواعد العسكرية وتأميم شركة "ميفرما" ومراجعة الاتفاقيات مع فرنسا. وبعد مؤتمر ألاگ وتوحيد الأحزاب في حزب واحد هو "حزب الشعب" بدأت جبهة المعارضة في ممارسة العمل السري، وشهد الوعي الوطني المعارض دفعاً ثورياً تنامي عبر نشرات ثقافية وإعلامية محددة، فصدرت عن المعارضة مجلة نقابة المعلمين "الواقع" سنة 1962 و"موريتانيا الفتاة" سنة 1964 و"الكفاح" سنة 1967ثم بدأت الإضرابات العمالية في شركة "ميفرما" (MIFERMA.1963

كان الرق مستشريا في الأرياف والمدن، وكانت الطبقية صارخة، وكان الإقطاع لا حدود له في مجتمع لم يعرف يوما الدولة المركزية، وكان قادة الدولة الحديثة أمام رهان مستقبل شديد التحدي؛ فالعاصمة خيمة بين "الفرنان" تعصف بها أرواح الأطماع الخارجية، والاستقلال ناقص، والفرنسيون هم من يدير كل شيء، والشباب الوطني متحمس، وعلى وعي كامل بكل ما يدور، ويغذيه فكر أحمر هو عدو الامبريالية الأول.

وجاءت أحداث 1966 العرقية الدامية، ثم توالت الأحداث: نكسة حزيران 1967 والثورة الثقافية في الصين، وأحداث 1968 في فرنسا، والاتجاه الشعبي لتحرير فلسطين، ثم كانت القطرة التي أفاضت الكأس أحداث "لبطاح" (29 مايو 1968) حيث قُتل العمال المتظاهرون في مدينة ازويرات، وسقط عمال المناجم، وسقط المصطفى ولد الدمين.

أنشأ سيد محمد يحدو وطفق ينسق مع رفاقه بهدف وضع أسس صلبة لحركة وطنية "ذات شبكات وخلايا سرية" تهدف إلى خلق وعي جماهيري قادر على إخراج المجتمع من ربقة التخلف الفكري الكامنة في الطبقية العفنة والتبعية الاقتصادية والفوارق الاجتماعية والاستعمار والاستعلاء العرقي وجبروت الأنظمة البوليسية، وتهتم بقضايا المواطن الفقير، وبقضايا العدالة الاجتماعية والمساواة، فكانت "حركة الكادحين" التي استقطبت النواة العمالية من معلمين وعمال وطلبة.

كما استغلت الجهة والقبيلة لكسب الأنصار، ولجأت إلى الفكر الماركسي لحل المسألة القومية والتركيز في التحليل على الجوانب الاقتصادية وعلى توعية الطبقات المحرومة. وكان سيد محمد هو الأب الروحي وقطب الرحى، وعرف اختصارا بـ"سُميدع" وكان الشباب يتلقى تعليماته.

كان شابا نحيلا وديعا لا تلين عزيمته ولا تفل شباته، ويمتلك قدرة فائقه على الإقناع. كان بسيطا في مظهره يلبس دراعة رثة، و"يربط سروالا" مُدخلا بـ"ميش اللّمبه" أحيانا وأحيانا بـ"تجكريت". وكان رغم ضعف بنيته يتنقل بن مدن وقرى البلاد، ويستقطب الرفاق.

تم في لقاء "تكمادي" في "گورگول" تأسيس الحركة، وبيّن سميدع للرفاق معالم الطريق، فحملوا المشاعل إلى أرجاء المنتبذ القصي:

محمد المصفى ولد بدر الدين، محمدو الناجي ولد محمد ولد أحمد، وعبد القادر ولد حماد، ومحمد عبد الله ولد حي، ومحمد شين ولد محمادُ، وأحمدُ ولد عبد القادر، ومحمدٌ ولد إشدو، ومحمد بن دداه، ومحمذن ولد باگا، ومحمد ولد باگا، وعينينا ولد أحمد ولد الهادي، وإبراهيم السالم ولد بو اعليبه، وحمود ولد صالحي، ومحمد ولد منيّ، ومرتودو جوب، ومحمد ولد مولود، وبدّنْ ولد عابدين، ويحيى ولد عمارو، وحمود ولد إسماعيل، ويبّ ولد البشير، وأحمد ولد حباب، ومحمد الحسن ولد لبات، وأحمدو ولد حمّد، وإسلمُ ولد عبد القادر، وباه عثمان، وجابيرا جاقيلي، ولمام شريف، وجالو لانسانا، وأحمدو ولد ميم، وبا محمود، والمصطفى ولد اعبيد الرحمن، والتجاني ولد كريم، وابراهيم ولد حيموده، وعبد الله ولد إسماعيل، ود. مصطفى سيدات، ويب ولد الشيخ البناني، وعبد القادر ولد أحمد، ولادجي تراوري، ودافا بكاري، ولمرابط ولد حمديت، وبا عبدول، والطالب محمد ولد لمرابط، ويحي ولد الحسن، ومحجوب ولد بيه، و..

استطاع سميدع أن يوحد الشرائح الوطنية المناضلة في بوتقة واحدة هي بوتقة النضال ضد الامبريالية والإقطاع، ونجح في جمع الزنوج والعرب، وأقنعهم بالنضال من أجل وطن موريتاني موحد.

تحمل سميدع المرض والجوع في سبيل أهدافه، وعاش حياة شاقة مليئة بالتعب، ولكنه كان ينظم وقته بما يكفي، ولم ينشغل يوما بما ينشغل به الشباب من أحاديث وأفعال.

كانت طابعة "استنيسيل" تدور و"صيحة المظلوم" توزع المناشير تتطاير، والجدران توشم بالأحمر القاني "تسقط الامبريالية".. "يسقط الإقطاع" "لا للتبعية" أغاني محمد شين تتردد: "لازم تطيح لمبريالية".

قاد سميدع مظاهرات الشمال في "ابطاح" ازويرات داعيا لتأمم ميفرما (MIFERMA) واستفادة عمال المناجم من خفض ساعات العمل وزيادة الأجور والضمان الصحي فكان ما كان..

كان سميدع كالشمعة تحترق لتضيء الدرب. ساءت حالته وتدهورت صحته فذهب إلى دكار للعلاج، ولدكار حكاية غامضة مع السياسيين الذين يأتونها للعلاج، بدأت مع الأمير محمد فال ولد عُمير وانتهت بالسياسي البارز فاضل أمين، وبينهما سميدع..

في السابع من يناير 1970 أسلم سيدي محمد ولد سميدع الروح في دكار في عنفوان حركة الكادحين وأوج عطائها.

(عن "السلطة الرابعة)

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع