سكان شمال إفريقيا: الأصول الحضارية (ح 5/5)
الأربعاء, 26 نوفمبر 2014 09:07

 

د. عثمان سعدي   

altفي الفلك: كان اليونان يعترفون دائما. في مجال العلوم بأنهم تلاميذ مصر وبابل، وأفاد أفلافيوس جوزيف بأن "علوم الكلدان انتقلت إلى المصريين بواسطة إبراهيم، ومن المصريين انتقلت إلى اليونان". وحسب الأساطير فالاكتشافات الكلدانية الفلكية الأولى ترجع إلى أربعة آلاف وسبعين سنة (4070) قبل الميلاد.. إن سرجون الأول الذي ملك سنة 3800 ق. م، عمل على تكوين مكتبة فلكية، وقد عرفت بابل في ساعة مبكرة مبادرة الاعتدالين، ودورات خسوف القمر، ومكان الكواكب القارة، والسنة المؤلفة من 365 يوما وربع اليوم. ونظام الحساب العشري أو الاثني عشري، مجموع الستين، فالدائرة مقسومة إلى 360 درجة، والدرجة مقسومة إلى 60 دقيقة، والدقيقة مقسومة إلى 60 لحظة.. لم يملك اليونان قط مرصدا فلكيا، كما أنه لم يكن لروما مرصد، بينما كانت البلدان العربية من النيل إلى الهندوس مجهزة بها.

كانت اليوميات (الروزنامات) اليونانية الرومانية غير سليمة حتى صححت في عهد قيصر.. وقد كلف سوسيجنس - وهو عربي من الإسكندرية- بإصلاح التقويم الروماني (المناخ). فاليومية التي دعيت بيومية جوليان ينبغي أن تسمى يومية الإسكندرية.. (ص 143 ـ 145).

الأرقام العربية التي وصلت لنا من واحد إلى تسعة، وقد كان اليونان قبلها يستعملون الحروف الأربعة والعشرين التي تتألف منها أبجديتهم بترتيبها، وأخذوا عن الفلسطينيين ثلاثة أرقام على الأقل: رقم ستة (Episomon) والكوبا، وقيمة تسعين..

الموازين والمكاييل أخذها اليونان عن العرب تدريجيا ولم تكتمل لديهم إلا بعد أن أقام صولون الأثيني بمصر وأحضرها معه.. (ص 148 ـ 149).

من المضحك أن المستشرقين عندنا أثنوا على العرب وشكروهم على أنهم نقلوا لنا علوم اليونان وتقاليدهم، بعد أن ترجموا لنا نصوصهم الدينية أو الفلسفية. ونراهن على أنه لا بد من فترة جيل لمحو هذا الخطأ من علمائنا.. (ص 153 )

 

اليونان والعالم الآرامي والآرامية:

عمل الإسكندر الأكبر المقدوني ـ ولنفكر في ذلك جيدا ـ على ضمِّ اليونان إلى العالم الآرامي، بعد أن كانت لا تنتمي إليه إلا ثقافيا. كان الإسكندر على هذا مرتبطا مع أغلب المسؤولين المدنيين والعسكريين في الإمبراطورية البابلية.. كان من حرصه أن زار سائر مقاطعات الولايات المتحدة الآرامية.. كان ينوي أن يتقدم بزياراته إلى ليبيا وقرطاج وإيبيريا لكن الوفاة فاجأته.. كانت اللغة الآرامية لغة الإدارة؛ إما بالكتابة المسمارية أو بالحروف الهجائية الفينيقية أو المصرية.. إن الإسكندر بصفته ملكا آراميا، ينتمي إلى التقاليد التاريخية العربية، لكن أغلب المعلقين يتجاهلون ذلك. ويرتكب تلامذتنا نفس الخطأ؛ فالإسكندر تسمية آرامية قديمة اكتسبها اليونان وحولوها إلى ألكسندروس (Alexandros) فإذا كان العرب يسمون الإسكندر فليس ذلك تقليدا لابن فيليب المقدوني، بل إنه هو المدين لهم بذلك..

(ملاحظة من مقدم البحث: يلقب الإسكندر بذي القرنين كما ذكر في القرآن الكريم، واسم القرن في الأمازيغية إسْـكْ)..

ترى النهضة العصرية القائمة اليوم باسم العروبة أو "الأمة العربية" في هذه الوحدة هدفها الأسمى؛ فالمفكرون المدافعون عن العروبة ليسوا سوى منفذين لوصايا دارا والإسكندر.. (من ص 176 إلى ص 187).

 العمارة: بعد أن تكلم روسي عن اليونان يفرد فصلا في كتابه عنوانه: "روما المستعمَرة المصرية: لقد بيعت روما للمشرق". يتكلم عن العمران فيقول: "بينما أخذ اليونان من العمارة المشرقية الخط المستقيم الجاري به العمل في العهود الكبيرة، فإن روما التي لحقت أخيرا بالركب، استوحت النموذج الجديد ونقلت عن العمارة الآرامية الميل إلى الخط المنحني، وأكثرت من القبب والأقواس ذات العقد الكامل، وقلدت حتى القبة نصف الدائرة البابلية في فن العمارة. ولم يكن المسافر القادم من بلاد النيل أو من ضفاف الفرات يجد نفسه غريبا عندما يصل إلى روما.. وقد ثبت أنه كان بروما منذ ساعة مبكرة معماريون عديدون سوريون متخصصون في البناء والتزيين.. إن روما كانت خاضعة للشركات التجارية والمالية التي نعرفها اليوم باسم الشركات المتعددة الجنسيات، وكان أصحابها من الفلسطينيين والمصريين واليونان والليبيين يسيطرون على نظامها المحكم. وعلى كل فإن روما تفكر وتعمل وهي متجهة للمشرق مستنيرة بالمشرق مجذوبة إليه".

يختم بيير روسي كتابه الرائع بفصل عنوانه: "سلام الإسلام: نجاح محمد" (صلى الله عليه وسلم) معناه أنه كان منتظرا، وقد تضافرت إلى تلقائية ما نزل عليه من الوحي ما كان يترجاه الشعب الآرامي، فانتصار الإسلام هو على هذا تجاوب محتوم بين دعوة ورجاء.. المهزوم في معركة القادسية هي أسرة الساسانيين، أما الشعب الفارسي فقد استقبل العرب بالأفراح، فانتصر التضامن الآرامي على العدو البيزنطي.. وابتعث (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء من جهة أخرى اللغة الآرامية؛ إذ أن القرآن ارتقى بلغة الشعب النيلي البابلي القديم إلى أسمى كمال في مبانيها ومعانيها وقواعدها. وبالفعل إن اللغة العربية هي أول لغة منظمة من لغات البحر المتوسط قبل لغة هومير، وهي التي منحتها قوانينها. ذلك أنها منذ دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذي ابتعثها لحياة عصرية، نهضت من عهودها القديمة ونقلت أصداءها العجيبة، ففرضت نفسها على ملايين البشر. وباللغة العربية يمكننا - نحن الأوروبيين- أن نعيد قراءة كتبنا الدينية وتاريخنا، وسنرى الأشياء على أوضح ما يمكن. إن معرفة اللغة العربية سيعيننا، لا على تجاوز أفق أثينا وروما الضيق فقط، لكن على المساهمة الواسعة في مستقبل المجتمع الجديد، الذي يخلص من ظروفنا الغامضة. إننا على يقين من ذلك.. إن الغاية الحقيقية من الحملة الصهيونية في المشرق مفهومة بكل يسر؛ فما هي إلا حرب صليبية جديدة، تستجيب لأهداف إستراتيجية واستيلائية هيمنية.. لكن كان يهب باستمرار من المشرق تيار منعش يبعث الحياة في الفنون المختلفة والتأملات الفكرية بأرض الغرب (أوروبا) لقد بقينا عربا بإيماننا، كما بقينا عربا بشكوكنا، ففي الأوروفيو (Orféo) لمنتفردي التي تسبح فيها ألوهية الشمس، وفي الغابة الجهنمية التي يجوس فيها فهد دانتي، كما أن في العلم المعاصر الذي تسود فيه الذرة، يصعد في خفوت وباستمرار همس منابعنا المشرقية، ويكفي أن نعير الأذن لنعي ذلك.. وبالفعل ومن الصحيح أن المشرق يقترح على ذكائنا الخاطئ الواهي، وعلى النظرات الميكانيكية التي نتقمصها، وعلى صوابنا المحتضر.. يقترح علينا الانبعاث وصعوده العسير. ويختم المؤلف كتابه الرائع بهذه الجملة: "نعم إن الحياة تنتظرنا في بابِلون" (بابل).

( من ص 259 إلى 271.)

 في المسرح: المسرح اليوناني كان في بدايته، وعلى صورته التي بقي عليها رغم التغييرات الخارجية. أعني نشيدا دينيا، ومأساة موسيقية دينية، أي صلوات لديونيسوس. وكل يعرف أن كلمة مأساة (تراجيدي) التي يسمى بها هذا المسرح تتألف من تراغوس (Tragos) أي الجدي، وأودْ أي النشيد، ويمكن أن تترجم بـ"نشيد الجدي" أو نشيد للجدي. وهي إشارة إلى الإله الأسطوري الذي عاش مستخفيا في البلاد العربية السعيدة (اليمن) في صورة جدي.. (ص 93).

سوموتراس المكان المقدس الذي يوجد به معبد الكابير (Cabires) وهي تسمية عربية خالصة، ويوم كيبور العبري هو اليوم الكبير (ص 100). هرقل مستمد من هملقار الاسم الكنعاني (ص 85).

مؤلف البحث: اسم هملقار هو حامي القار، لكنه حرف في النطق. (21)

 لقد أطلت في تقديم هذا الكتاب، لأنه أولا كاتب أوروبي؛ فلو قاله كاتب عربي لاتهم بالتعصب، لأن السكان بحصرهم كأعداد من البشر يعتبر تضييقا للمجالات السكانية المحصورة في أضيق نطاق زماني. فما نعرفه عن السكان لا يتعدى زمانه خمسة آلاف سنة. وأن جذور السكان، أو فلسفة السكان - إن صح التعبير- هو العمق الحضاري؛ فمعالم الحضارة الإنسانية نكتشف في السكان ما خبأه الزمن.. وهذا ما قصدته.

 

 الخلاصة:

 أولا: إن سكان شمال إفريقيا هاجروا من جزيرة العرب قبل آلاف السنين بعد أن ذاب الجليد في شمال إفريقيا. الهجرات العربية المرصودة تاريخيا هي هجرة الكنعانيين الفينيقيين في منتصف الألف الثانية قبل الميلاد. وتعتبر الجزيرة العربية خزانا كبيرا بشريا تمت منه هجرات إلى العديد من نواحي العالم. العلماء يثبتون أن الهجرات الحضارية البشرية تمت من الشرق إلى الغرب، ومن الجنوب إلى الشمال. ثم حدث تبادل للهجرات غربا شرقا، وشرقا غربا: الهجرات المسجلة، الهجرة الكنعانية المشار إليها للمغرب العربي. ومن الغرب للشرق هجرة الشواش الأمازيغ من الجريد إلى مصر في الألف الثاني قبل الميلاد، حيث استقروا في بحيرة قارون بدلتا مصر، وصاروا جنودا فرسانا في الجيوش الفرعونية، بحيث صعد أحد أبنائهم إلى منصب فرعون (هو ششنق الأول) فأسسوا الأسرة الثانية والعشرين، والأسرة الثالثة والعشرين الفرعونيتين. وفي القرن العاشر الميلادي انتقل مائة ألف شاب من قبيلة كتامة الأمازيغية إلى مصر من المغرب العربي كجنود في جيش المعز لدين الله الفاطمي، ففتحوا مصر وساهموا في بناء القاهرة، وتزوجوا بمصريات وأسسوا المجتمع القاهري. وفي القرن الحادي عشر الميلادي هاجر أربعمائة ألف من بدو الهلاليين من صعيد مصر إلى المغرب العربي، واستقروا به.

 ثانيا: سكان شمال إفريقيا يقيمون في حوض حضاري يمتد من المحيط الهندي إلى المحيط الأطلسي. الأمازيغ هاجروا من جنوب الجزيرة العربية، عبر باب المندب فالحبشة فالسودان فالصحراء، وفي مسار آخر عبر سيناء فمصر. وأهم عنصر بقي عبر التاريخ يؤكد هوية السكان هو اللغة؛ فاللغة الأمازيغية لغة عروبية، تشير إلى جذور سكان الشمال الإفريقي. فاللغة العربية الأم انتشرت من الجزيرة العربية قبل آلاف السنين وتفرعت إلى لهجات، عمت الوطن العربي؛ بل وانتشرت في قارات الدنيا: آسيا وأوروبا وإفريقيا.. بل واجتازت المحيط الأطلسي إلى أمريكا حين وصلها الكنعانيون. عمت اللغة الآرامية العروبية الدنيا وصارت هي اللغة الكونية من نهر الهندوس وحتى أوروبا، وقد عرض البحث رأي عالم فرنسي يقر بأن العربية هي أم لغات وثقافات البحر المتوسط الذي يعتبر شمس الحضارة الإنسانية. كما أن الأديان السماوية الثلاثة أنزلت باللغة العربية: التوراة بالكنعانية، والإنجيل بالآرامية، والقرآن الكريم بالعدنانية.

 

_________________

21. بيير روسي، مرجع سابق.

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 9 زوار  على الموقع