| محاضرة الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بـن بيه (ح 7/ 8) |
| الخميس, 12 يونيو 2014 08:46 |
|
السؤال الثاني: هل يجوز أن نطلق على المقتول في المظاهرات والاحتجاجات اسم الشهيد؛ أي أنه شهيد وقتيل المعركة؟ أفتونا جزاكم الله خيرا. والسلام عليكم ورحمة الله. الشيخ عبد الله: نحن في الأمة الإسلامية – أو في الكثير من البلاد الإسلامية- قد عشنا المرحلة الاستعمارية، وبعد هذه المرحلة دخلنا مرحلة أخرى.. مرحلة معولمة؛ أي في عالم بلا حدود. نشتري البضائع ومعها نستقبل الأخلاق ونستقبل النظم. من هذه النظم التعبير عن الاستنكار وعن الطلبات، وغالبا هو تعبير عن مطلب.. أن يعبر الناس عن المطالب بالخروج إلى الشارع. هذا التعبير ليس أصيلا، وإن كان البعض حاول تأصيله بخروج النبي – صلى الله عليه وسلم- مع الصحابة من دار الأرقم إلى الكعبة باعتبار هذا تظاهرا. أنا لا قول ذلك. هذا ليس تظاهرا، حاشى.. أرى القول بذلك نوعا من التدليس! أستغفر الله العظيم. على كل حال لا أريد أن أدخل في تلك الأشياء. أريد أن أقول فقط: إذا كانت التظاهرات في بلد يسمح قانونه بالتظاهر فلم تؤد إلى مفسدة؛ لا لقتل نفس ولا الاعتداء على مال ولا إغلاق طريق عام ولا شتم أحد، فهذه قد تكون داخلة في نطاق الجواز، أو في نطاق الفضل إذا كان المقصود فاضلا. تكلمت قبل قليل عن عدم الفك بين الوسائل والمقاصد؛ المقصد المحمود يجب أن تكون وسيلته محمودة. لا يمكن أن تقول: أنا سأعمل شيئا طيبا وبالتالي سأقتل شخصا في سبيل هذا الشيء الطيب، أو سأعرض أشخاصا للموت! هذا ليس صحيحا مطلقا. لكن إذا انضبطت بهذه الضوابط: بيئة مناسبة لأن قوانينها تسمح، وهدف نبيل يخرج الإنسان له لتذكير الناس بدون التعرض لمال أو أذى للناس.. فبهذه الضوابط يمكن أن تكون صحيحة مقبولة. إذا كان في بيئة لا تسمح بها أصلا – كبيئات أخرى أنا أعرفها- فهذه حرام لأنها ستؤدي إلى الموت وهذا لا يجوز. حديث حذيفة «المؤمن لا يذل نفسه» قالوا كيف يذل نفسه؟ قال: «يعرضها من البلاء لما لا تطيق» وهو حديث صحيح. مع حديث عياض بن غنم أيضا، وفيه «من أراد أن ينصح لسلطان فليأخذ بيده وليخل به؛ فإن قبِل فذاك وإلا فقد أدى ما عليه» وهو حديث صحيح أيضا. {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} فهناك أحاديث توازن بالحديث الذي أخرجه الحاكم؛ وهو حديث الشهيد «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قال إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» إذا عادلنا بين هذه الأحاديث نقول إن الأخير لم يكن يظن أنه يقتل؛ فضلا عن أن يعرض آخرين للموت. هذا لا أراه.. لا يظهر لي. وبالتالي فإثم هذا الشخص الذي ذهب فقتل سواء أكان رجلا أم امرأة. هناك أحاديث في هذه المسألة على كل حال. باختصار شديد يجب أن توزن هذه الأخلاق التي ورثناها عن الغرب في الصراع.. في مفهوم الصراع. أنا ذكرت لكم رجلا اسمه هيغل، ومثله آخر فرنسي اسمه بول ريكير، ولا بأس من ذكر أسماء هؤلاء ما دمنا نستورد منهم. هيغل هو أبو الدولة الحديثة التي تقوم على الصراع. دعونا نجعل هذا الصراع صراعا في الخير، تدافعا على الخير وتدافعا في الخير. إذا نحن في العالم الإسلامي لم نؤمن بهذا ولم نبحث عن سلام بيننا وعن مشتركات لنعيش معا فسنعيش ظلمة طويلة.. هذه الظلمة ستنتهي إلى كل الأشياء التي يبغضها الله سبحانه وتعالى. ستضيع الكليات كلها! الدين والنفوس والأموال والعقول والأعراض، كل هذا سيضيع إذا لم ننتبه إلى أنفسنا بشيء من الورع، بشيء من الحكمة، بشيء من التواضع، بشيء من تجنب بعض هذه الأشياء. والدعوة للجميع حكاما ومحكومين. على الجميع أن يجنحوا للخير، أن يفكروا في الخير دائما وليس في مفاهيم الصراع والنزاع الدائم «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا». الإمام عبد الرحمن ولد عبد الله: نحن اليوم في عصر سقوط الأقنعة تحت تأثير العولمة الجارفة فكيف نستفيد من بنود صلح الحديبية الذي كان بين النبي –صلى الله عليه- وسلم وقريش، وصلح الحسن معاوية - رضي الله عنهما- في درء النعرات والتجاذبات والخصومات، وحتى الحروب التي أفقدت الأمة القيام بالمسؤولية العظمى؟ ولا ننسى قول الله تعالى في هذا المجال: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس}. الشيخ عبد الله: نستفيد الكثير؛ لكن منه ثلاثة أمور: أحدها أن الحرب ليست مطلوبة دائما لاسترجاع الحق؛ بمعنى أن الحق متفاوت وأن السلم أيضا قد يكون أفضل. الشيء الثاني أن السلم قد يكون أضمن للأهداف كما في صلح الحديبية؛ أسلم أكثر ممن كان أسلم قبل، وقادة الفتح كانوا ممن أسلم، خالد بن الوليد كان ممن أسلم في هدنة الحديبية. الشيء الثالث هو أن الحكمة والمصلحة تحكم في كل التصرفات العامة التي من شأنها أن تتعامل مع مصالح العباد. الحسن عليه السلام، وقد شهد له النبي –صلى الله عليه وسلم- قبل ذلك بعقود «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» هذه شهادة! فسيدنا الحسن قال: والله لا أحب – أو كما قال- أن يراق محجم دم مسلم وأن ألي شيئا من أمور المسلمين. فتورع عنها ورفض. هو كان بويع فأرسل إلى معاوية وكان عام الجماعة.. وقد زكّى عمله رسول الله صلى الله عليه وسلم. الكثير من الناس يتحدثون عن التنازل ويرون أنه لا يجوز، ويحتجون بقصة سيدنا عثمان.. فالمصلحة هي التي تحكم في هذا، ومصالح العباد والأوطان، هذا مهم جدا، لكن هذا يحتاج إلى مجموعة من أولي الحجى ليست طرفا فيه. الطرف لا يمكن أن يصلح. الوسيط لا يمكن أن يكون خصما، لتقول لهؤلاء وأولئك: خففوا قليلا بعض غلوائكم وتحاكموا إلى الخير، إلى المصالح العليا، إلى ما هو أولى وأقرب عند الله سبحانه وتعالى. والله أعلم. نحن لا نقول إن رأينا خير من رأي غيرنا، لكن نقول إن الذي نراه هو هذا، ونحن مستعدون لتقديم هذا الفكر ليناقشه أي أحد.. ليناقشه بالحسنى لا بالشتم. هنا أقص قصة صغيرة؛ قبل حوالي سنة كنت في تونس مدعوا لإلقاء محاضرة بجامع الزيتونة، وكان معي وزير الأوقاف ومجموعة، فذكروا الإخوة السلفيين فقلت لهم: ليأت منهم غير العدواني، إذا كانوا سيضربوننا لا يأتوا! لكن ليتفضل من يريد أن نتناقش ونتحاور! أنا أعتبر أن "السلفيين" ظلم للسلفية! السلف كان ضليعا في العلم ضليعا في كل شيء. المهم في هذا أن نسمح للناس بأن يقولوا رأيهم؛ لكم بهدوء وسلام وليس بحرب وخصام. |
