مفكران: "لا يكفي إسقاط الحكام.. بل على الثوار العرب صيانة الاستقلال عن الغرب"
الأربعاء, 04 يوليو 2012 13:21

يرى الموقع خدمة لحق متصفحيه في الإعلام أن ينشر في هذا الباب

بعض المواضيع التي تتماشى مع خطه التحريري.. ومنها هذه المقابلة

altفي الحلقة الحادية عشرة من برنامجه الحواري التقى أسانج مع اثنين من عمالقة الفكر اليساري هما نعوم تشومسكي، العالم اللغوي والمفكر المتمرد.. وطارق علي، مؤلف روايات حول قتال الشوارع ومؤرخ عسكري.. وتساءل أسانج في البداية: ما الذي يراه هذان الناشطان.. إلى أين يسير بنا العالم؟ وإلى أين يجب أن نسير به؟ فدار الحوار التالي:

أسانج: نعوم، طارق،.. العامان 2011 و 2012 يعتبران من الأعوام التاريخية لحركات التحرر في أماكن كثيرة من أنحاء العالم. هل توقعتم هذه الحركات؟

طارق: أنا لم أتوقعها.. لا أعتقد أن معظم الناس توقعوها.. لكن المثير للاهتمام هو أن الانتفاضات العربية جاءت في الوقت الذي كان فيه المعلقون الغربيون يقولون: "هؤلاء الناس ليسوا مهتمين بالديمقراطية، والمسلمون هم معادون للديمقراطية بشكل وراثي..".

أسانج: صحيح..

طارق: ثم انتشرت هذه الثورات.. كان احتلال ميدان التحرير في القاهرة الذي ألهم النشطاء في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وحتى في روسيا.. من كان يتوقع أن تظهر تلك الحركات فجأة في روسيا وتتحدى السلطة هناك؟ هكذا كان الربيع العربي ينتشر كالعدوى وهو لا يزال مستمرا بطرق مختلفة.

نعوم: لا، لا أستطيع أن أقول أنني توقعت ذلك. افترضت أنه سيكون هناك -عاجلا أو آجلا- رد فعل شعبي على الحرب الطبقية التي تم خوضها من قبل الجيل السابق.. حرب وعي بين الطبقة الصامتة وطبقة رجال الأعمال العليا.. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، وعلى مدى الجيل الماضي، كان هناك تراكم ثروة لكنها ذهبت إلى جيوب عدد قليل جدا.. الآن، فإن التفاوت الشديد في الولايات المتحدة والذي يمكن إحصاؤه حرفيا بالقول إنه لصالح عشرة بالمائة من السكان، معظمهم من مديري صناديق رؤوس المال، والمديرين التنفيذيين في الشركات الكبرى، وهلم جرا.. إنني تحدثت عن الولايات المتحدة، ولكن هذه الظاهرة هي منتشرة في جميع أنحاء العالم.. فالحركة التي بدأت الخروج في مظاهرات قاصدة ميدان التحرير قبل عام تسمى حركة 6 أبريل.. هناك سبب لهذه التسمية وهو أن يوم السادس من أبريل عام 2008 شهد احتجاجات على نطاق واسع من قبل عمال المنشآت الصناعية الكبرى في مصر.. وكانت هناك مجموعة صغيرة من البارعين في أمور التكنولوجيا يرغبون في المشاركة ومساعدة العمال عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها.. تلك الاحتجاجات تم سحقها من قبل الدكتاتورية ولكن مجموعة التكنولوجيا تلك حافظت على الاسم.. (حركة 6 أبريل).. هذا دليل على مدى عمق جذور أسباب تلك الاحتجاجات.. كان هناك الكثير من الناس على استعداد للخروج والاحتجاج.. في نظر الكثيرين كانت مجرد لحظة انفتاح تحت شعار: يمكننا بطريقة ما القيام بشيء.. وحدث شيء مماثل في تونس.. سؤالك عما إذا كنت قد توقعت ذلك، لا لم أتوقعه، ولكن هناك أمرا يحدث الآن في جميع أنحاء العالم بشكل أو بآخر.

أسانج: طارق؟

طارق: أعتقد أن نعوم على حق.. أعتقد أن ما نشهده، جنبا إلى جنب مع الاقتصاد النيو ليبرالي، هو انكماش الحياة السياسية.. لقد كنت أدفع بالقول منذ وقت بأن ما لدينا في السياسة الغربية ليس اليسار المتطرف ولا اليمين المتطرف وإنما هو وسط متطرف.. وهذا الوسط المتطرف يتمثل من كل من قوى يمين الوسط وقوى يسار الوسط، والتي توافقت على أسس معينة هي: شن الحروب في الخارج، واحتلال البلدان، ومعاقبة الفقراء، الدفع بسياسات التقشف.. فلا يهم من يتولى السلطة سواء في الولايات المتحدة أو في العالم الغربي، فالأشياء تسير دائما على المنوال نفسه.. هناك استمرارية من نظام إلى آخر، مما يؤثر في سير العمل في وسائل الإعلام التي أصبحت أكثر وأكثر محدودية.. هناك تنوع قليل جدا، عدد قليل جدا من المناقشات التي جرت في وسائل الإعلام الرئيسية.. وهذه هي سمة من سمات ديكتاتورية رأس المال التي تمارس الآن من خلال هذا الوسط المتطرف.. والبلدان العربية يحكمها طغاة مدعومون من الغرب.. وسرعة وحجم تلك الانتفاضات أخذ بالتأكيد الجميع على حين غرة.. لم يكن لأي أحد منا أن يتوقعه..

أسانج: هل تعتقد أن عدم القدرة على التنبؤ بها كان عاملا من عوامل نجاحها؟

طارق: بدون أدنى شك..

أسانج: بحيث لو كان من الممكن توقعها، لجرى وضع الآليات لمنع حدوثها؟

طارق: نعم.. وهي آليات متطرفة جدا. ولحاولت الأنظمة اعتقال الناس، وتعذيبهم، وحبس الناشطين.. لكن الأمر خرج عن نطاق السيطرة بسرعة كبيرة للغاية.. والولايات المتحدة والفرنسيون في تونس ومصر، على سبيل المثال، لم يتمكنوا من السيطرة على الوضع.. أخذوا على حين غرة أيضا. كل ما أمكنهم عمله معا هو محاولة التخريب عندما قاموا بعمليات قصف لمدة ستة أشهر في ليبيا باستخدام طيران حلف شمال الأطلسي، معتقدين أنهم سيتمكنون من ممارسة بعض السيطرة على العالم العربي كله مرة أخرى.. لكن الحراك لا يزال متقلبا بشكل لا يصدق، والناس يقولون: "لم يتغير شيء".. هذا صحيح.. لكن الشيء الوحيد الذي تغير هو أن الناس، الجماهير، قد أدركت أنه من أجل إحداث التغيير عليهم التحرك وأن يصبحوا أكثر نشاطا.. وهذا هو الدرس الكبير من هذه الانتفاضات.

أسانج: أريد أن أتطرق إلى حجم الخيارات المتاحة.. هل وجود الخيارات هنا هو أمر وهمي؟ كيف يمكن للأنظمة الجديدة التعامل مع الوضع من حولهم؟ مع الدول الأخرى؟ دعونا نأخذ كوبا، على سبيل المثال، مع العلم أنها لا تبعد سوى 90 ميلا عن قوة عظمى عدوانية، وتبث الدعاية ضد كوبا، هل من المفيد فرض الرقابة؟ هل سيكون مبررا استخدام شرطة الدولة كوسيلة لمنع سلب الاستقلال عن كوبا؟ يبدو لي أن هذه هي الأسئلة التي سوف يتعين مواجهتها من قبل الدول التي تكافح ليس فقط للإطاحة بحكامها وإنما أن تكون مستقلة كذلك كدولة عن الدول الغربية..

نعوم: حسنا، كوبا تمثل حالة خاصة جدا.. إلى حد ما لديها خصائص مثل غيرها من البلدان الصغيرة ولكنها فريدة من نوعها.. لمدة 50 عاما عملت الولايات المتحدة لخنق وسحق كوبا.. وقال مستشار كنيدي لشؤون أمريكا الجنوبية مرة: "إن المشكلة تكمن في الفكرة التي يروجها كاسترو حول التحكم بالأمور، والتي قد تؤدي بآخرين يعيشون في ظروف مماثلة إلى محاولة اتباع هذا المسار، وقريبا جدا سيؤدي ذلك إلى إضعاف كامل لنظام سيطرة الولايات المتحدة".. لذلك، لتلك الأسباب، التي لا تزال قائمة، قامت الولايات المتحدة، في المقام الأول، بحملة إرهاب واسعة النطاق.. لقد كانت كوبا ضحية للإرهاب أكثر من العالم كله مجتمعا، وأبعد من ذلك، تعرضت لخنق الاقتصاد من نوع استثنائي..

أسانج: قد نتحدث عن أشكال أخرى من الاستقلال في وقت لاحق.. لكن ما أراه الآن هو أنه إذا أراد شعب ما أن يكون مستقلا، ويقيم دولة مستقلة، فإنه يتوجب عليه أن يتحدى حلف شمال الأطلسي أو إذا كان بالقرب من الصين، أن يتحدى الصين، أو إن كان من شعوب دول الاتحاد السوفيتي السابق، فعليه أن يتحدى روسيا.. وعليه -في حالة كوبا- فهذا يعني أن تكون دائما في حالة حرب. أليس كذلك؟

نعوم: هناك مشكلات مماثلة في جميع أنحاء العالم ولكنها ليست وخيمة مثل تلك التي تواجه كوبا.. اذهب قليلا إلى الجنوب.. أمريكا الجنوبية.. واحدة من أهم عمليات التطور والتنمية وأكثرها إلهاما تحدث هناك منذ العقد الماضي.. للمرة الأولى منذ جاء الغزاة الأوروبيون، للمرة الأولى منذ 500 عام، خطت القارة خطوة مهمة جدا نحو الاستقلال، نحو التكامل.. ليست هناك قاعدة أمريكية عسكرية واحدة بقيت في أمريكا الجنوبية، وهو أمر رائع جدا.

أسانج: ما رأيك، يا طارق؟

طارق: أعتقد أيضا أن أهم التغيرات التي شهدناها على مدى العقود الماضية قد أتت من أمريكا الجنوبية.. أنا زرت فنزويلا وبوليفيا والبرازيل.. وهناك مزاج فريد من نوعه.. كثير من الناس يقولون أنها المرة الأولى في تاريخهم التي يشعرون فيها بأنهم مستقلون فعلا. ومهما كانت نقاط ضعف الأنظمة هناك، فهي دول ذات سيادة وتتصرف على هذا النحو.. عندما يقول شافيز، على سبيل المثال، شيئا عن الولايات المتحدة، فإنه يقول ذلك بطريقة حادة جدا وصريحة.. وقال لي ذات مرة: "أنت تعرف، عندما ألقى خطابا في الأمم المتحدة، الكثير من ممثلي البلدان الأخرى الذين لا يمكنهم البوح بالقول نفسه يأتون ويقدمون لي التهاني.

أسانج: من الواضح أنهم يعتقدون أنهم لا يستطيعون البوح بالقول نفسه..

طارق: هم يعتقدون أنهم لا يستطيعون.. أما الآن.. فهذا هو الإطار الحاكم في معظم أمريكا الجنوبية، فباستثناء كولومبيا والمكسيك وجزئيا تشيلي.. يشعر الناس بأنهم مستقلون للمرة الأولى في تاريخهم.. وأعتقد أن ذلك سيشكل مشكلة كبيرة للولايات المتحدة.. أعني أنهم مهووسون بالعالم العربي وبالصين.. والآن بإيران.. ولكن في أمريكا الجنوبية ومنذ عشر سنوات، أو أكثر قليلا، فقدت الولايات المتحدة السيطرة هناك.

نعوم: ذلك يقلقهم جدا.. في الواقع، مجلس الأمن القومي، وهو منظمة التخطيط الأعلى، حذر من أنه في حالة ما إذا "لم نتمكن من السيطرة على أمريكا الجنوبية، كيف سنتمكن من العمل على فرض نظام ناجح في بقية العالم؟ إذن نحن لا نستطيع السيطرة على الفناء الخلفي لدينا، كيف سنتمكن من السيطرة على أي شيء آخر؟" الآن، هناك أعمق نقطة. دعونا نعد إلى الشرق الأوسط.. القلق العميق لدى الولايات المتحدة وغيرها من القوى الاستعمارية التقليدية.. بريطانيا وفرنسا خاصة.. قلقهم يتمثل في أن يخرج الشرق الأوسط عن نطاق السيطرة.. وهذا أمر خطير، أخطر بكثير من أمريكا الجنوبية.

طارق: وأنا أتفق مع ذلك.. هذا هو السبب وراء غزوهم ليبيا، نعوم، وليس لدي شك في أنه كان لغرض إعادة بسط سيطرتهم.

نعوم: وأنا أوافق، ولكن أعتقد أن ذلك قد تم الانتهاء منه.. على سبيل المثال، إذا ألقينا نظرة على ما حدث في العالم العربي، والبلدان التي تعتبر حيوية لدى القوى الإمبريالية الغربية.. منتجو النفط تحديدا.. الذين هم تحت السيطرة.. في المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات.. كل دول النفط الرئيسية في المنطقة، فإنه لم يحصل شيء جدي على الأرض.. كانت سياسة التخويف من قبل قوات الأمن، المدعومة من الغرب، هائلة لدرجة أن الناس كانوا يخشون بكل معنى الكلمة الخروج إلى الشوارع في مدينة الرياض.. في الغرب.. وخاصة دور فرنسا في تونس، ودور كل من الولايات المتحدة وبريطانيا في مصر.. فإنه اتبع نمطا تقليديا للغاية.. هناك قواعد لعبة تمارس كخطط عندما يفقد بعض الحكام المستبدين القدرة على الحكم.. وبعبارة أخرى فإن الغرب يعتمد عليهم حتى اللحظة الأخيرة، وعندما يكون من المستحيل دعمهم بعد ذلك يعطون الإشارات للطبقة المثقفة هناك لقرع أجراس الديمقراطية.. ومن ثم يحاولون استعادة النظام القديم إلى أقصى حد ممكن.. إنه بمثابة روتين..ولا يحتاج المرء إلى عبقرية لكي يدرك ذلك..

طارق: ولكن أعتقد أن المشكلة الحقيقية هي أن الديمقراطية نفسها في مأزق خطير جدا، بسبب الشركات الكبرى.. لدينا اثنتان من الدول الأوروبية، اليونان وإيطاليا، والساسة هناك تنازلوا عن السلطة، وقالوا: "دعوا المصرفيين يديرونها"..

أسانج: صحيح..

طارق: وعليه فإن ما نشهده هو أن الديمقراطية أصبحت تفرغ أكثر وأكثر من محتواها.. أصبحت مثل صدفة فارغة، وهذا ما أثار غضب الشباب، الذين يشعرون بأنهم مهما فعلوا، ومهما منحوا أصواتهم لأي كان.. فلا شيء يتغير.. وبالتالي نرى كل هذه الاحتجاجات..

أسانج: وهل تعتقد أن مشكلة وسائل الإعلام هيكلية؟ هل القدرة المتزايدة للمركز على السيطرة على المحيط جاءت نتيجة لظهور وسائل اتصال أكثر تطورا؟

طارق: هي كذلك..

أسانج: وما السبب وراء ذلك؟

طارق: السبب هو أن الديمقراطية أصبحت متحجرة.. أصبحت وسائل الإعلام دعامة، دعامة رئيسة للمؤسسة.. أكثر بكثير مما كانت عليه خلال الحرب الباردة.. في ذلك الوقت، كانوا يحاولون أن يبينوا للروس وللصينيين أن لدينا نظاما أفضل من نظامكم..

أسانج: صحيح..

طارق:.. الآن هم لا يشعرون بالحاجة لإثبات ذلك، ولذلك فإنهم يقومون بما يحلوا لهم..

أسانج: كانوا يستخدمون حرية التعبير كعصا لضرب الاتحاد السوفيتي والآن ليس هناك حاجة لذلك.. وأعتقد أنه كان لدينا تحالف بين الليبراليين والجيش والنخبة في الغرب، من أجل إثبات تفوق الغرب بالمقارنة مع السوفيت، وهذا النوع من التحالف غير الطبيعي ينفصم ويتفرق الآن..

طارق: النقطة الأولى: لقد تفرق إلى أجزاء، والنقطة الثانية: في العالم الغربي أصبحوا يسيطرون على كل شيء لحد أنهم يرتكبون جرائم القتل دون الخوف من أي حساب.. فقد وقع أوباما حاليا قانونا، ينص على أن الرئيس الأمريكي لديه الحق في أن يصرح بقتل مواطن أمريكي من دون أي لجوء إلى القانون.. لم يتوفر لدى أي رئيس أمريكي آخر في التاريخ مثل هذا الحق..

أسانج: صحيح..

طارق:.. حتى خلال الحرب الأهلية، فالناس الذين حاولوا قتل لنكولن.. أو الذين قتلوا لنكولن.. المتآمرون.. جرت محاكمتهم في محكمة.. الآن يمكنهم ببساطة أن يأمروا بقتل شخص ما.. هذا الهجوم على الحريات المدنية، بطبيعة الحال، مقلق للغاية لأنه يؤثر حقا على الديمقراطية..

أسانج: إذا نظرتم إلى ذاك النوع من اعتماد التكنولوجيا في أمريكا الجنوبية، هل تعتقد أن هذه الحركات الاجتماعية التي تحدث هناك هي مشابهة لنظيرتها في الولايات المتحدة في السبعينيات؟ هل إن التفاعل السياسي والاجتماعي الذي يحدث في تلك الدول نتيجة لتفاعلات التكنولوجيا؟ وإذا كان ببساطة غير ممكن لبلد أقل تطورا صناعيا من أن ينقل نموذجه إلى بلد أكثر تطورا صناعيا، هل يتوجب علينا حينئذ أن نستغني عن التصنيع؟

طارق: لا أعتقد هذا.. إن معظم الدول الغربية أصبحت سعيدة جدا باجتثاث صناعاتها ونقلها إلى الصين وتحويل الصين إلى قوة اقتصادية مهيمنة في العالم، على غرار البريطانيين في القرن التاسع عشر.. الصين أصبحت ورشة العالم..

أسانج: صحيح..

طارق:.. كانت هناك زيادة كبيرة في قوة العمل العالمية. ففي حين تراجع في الغرب، زادت ثلاثة أضعاف من مليار عامل إبان السبعينيات إلى أكثر من ثلاثة مليارات عامل اليوم، وذلك بسبب ما يحدث في الصين والهند وأجزاء من أمريكا الجنوبية.. لذلك أعتقد أن القوى المسماة بالمتقدمة لديها الكثير لتتعلمه مما يحدث في تلك الدول من أمور جيدة؟

أسانج: نعوم، هل هو نموذج عملي يحتذى به؟

نعوم: أنا أتفق مع طارق - هناك العديد من النماذج.. لكن لا أعتقد أن القوى الشعبية المعنية بتغيير مجتمعاتها ينبغي عليها أن تبحث عن نماذج.. أعتقد أن عليها خلق نماذج.. وهذا هو بالضبط ما يحدث. في أمريكا الجنوبية، على سبيل المثال، كان هناك الكثير من التقدم. إنهم يطورون نماذج.. في بوليفيا، في أحد الأمور الأكثر إثارة للدهشة، هو أن الجزء الأكثر تعرضا للكبت من سكان تلك المنطقة، وأعني أبناء البلاد الأصليين، أصبحوا فاعلين في الساحة السياسية. في الواقع إن هذه الشريحة من السكان استحوذت على السلطة السياسية وتسعى لخدمة اهتماماتها الخاصة. هذا يحدث أيضا في الإكوادور، والى حد ما في بيرو. إنهم يطورون نماذج جديدة ومهمة، وبعض جوانب تلك النماذج يجب على الغرب أن يتبناها في أقرب وقت، أو ينهار وينتهي..

أسانج: كان لدينا دائما هذا الادعاء بأن الرأسمالية والديمقراطية يسيران معا، ولكن الصين تعطي الآن مثالا عظيما، حتى أكثر كفاءة.. في كونها الدولة الرأسمالية من دون ديمقراطية.

طارق: حسنا، أنا لا أعتقد أن الرأسمالية والديمقراطية يسيران جنبا إلى جنب.. الصين تثبت ذلك اليوم، أنجح بلد رأسمالي في العالم ليس لديه أوقية من الديمقراطية في طريقة عملها.. لكن من الناحية التاريخية حتى، ولمئات السنين، عملت الرأسمالية منذ وجودها من دون ديمقراطية حتى بداية القرن العشرين.. النساء حصلن على حق التصويت فقط بعد الحرب العالمية الأولى.. لذلك إن الرأسمالية تتناسب تماما مع اللا ديمقراطية أو الديمقراطية المجتزأة. أما هذا المفهوم بأن الرأسمالية والديمقراطية يسيران جنبا إلى جنب فقد صمم إبان الحرب الباردة لضرب الروس والأوروبيين الشرقيين والصينيين.

أسانج: نعوم؟

نعوم: بادئ ذي بدء،ليست لدينا مجتمعات رأسمالية، لدينا صنف هنا أو صنف آخر هناك من رأسمالية الدولة، وهذا هو الحال في أي مكان يعمل فيه النظام الصناعي.. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، دور الدولة في الاقتصاد هائل.. دعونا نلق نظرة على ما نقوم به نحن الثلاثة حاليا.. كله يستند على ثورة تكنولوجيا المعلومات.. الكمبيوتر والإنترنت والأقمار الصناعية والالكترونيات الدقيقة وهلم جرا.. وهذه كلها تم تصنيعها من قبل القطاع الحكومي.. في الواقع، كان معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حيث أجلس أنا هو واحد من الأماكن التي يتم فيها تطوير هذه الأمور في إطار تمويل يأتي من البنتاغون.. وهذا يحدث منذ عقود، كان هناك كل من التمويل والدعم، والاختراع والإبداع وأيضا التأمين.. كل ذلك كان يأتي من القطاع الحكومي قبل تسليمه إلى رأس المال الخاص..

أسانج: في أدب الثلاثينيات نرى في كثير من الأحيان السوفيت يتحدثون عن أن نظامهم هو ببساطة الأكثر كفاءة، وبالتالي فلكونه نظاما فعالا لصناعة تكنولوجيا المعلومات فهو سوف يهيمن.. ورأينا أيضا النازية تتحدث بذات العبارات على وجه التحديد.. أن هذا الاستثمار الضخم في التكنولوجيا سينتج صناعة ذات كفاءة ستهيمن ببساطة على القوى الأخرى من حولها.. أليس هذا يمثل العيب الأساسي للأيديولوجيا، الذي، بغض النظر عما هو النظام الذي تريده، بغض النظر عما يرغب به الناس.. وربما من الأفضل لنا جميعا أن نحدث التغيير أولا ضمن القواعد الأساسية.. كضمان الكرامة الإنسانية مثلا؟ لأنه إذا كان النظام غير فعال بالمقارنة مع نظام آخر، فإن النظام الآخر سينمو ببساطة في نطاق يجعله مهيمنا، أليس كذلك؟

طارق: سيهيمن نعم، لكن فقط إذا كان ينمو عسكريا.. كما ترون، الولايات المتحدة ضعيفة اقتصاديا في الوقت الحالي.. إنها غارقة في الديون بشكل كبير، كما أشار نعوم.. هذه أزمة هيكلية حقيقية.. لكنها مهيمنه عسكريا.. وهي تستخدم قوتها العسكرية للسيطرة على مناطق أخرى من العالم قد تكون في وضع جيد من الناحية الاقتصادية، ولكنها لا تملك القوة اللازمة للتصدي.. هذه هي المشكلة التي نواجهها.

أسانج: هذا الصراع بين الرغبة في فعل شيء لأسباب أيديولوجية وبين الواقع العملي.. في هذا الصراع قد تكون الرأسمالية الشمولية نظاما أكثر كفاءة وبالتالي سوف يهيمن.

نعوم: إنها ليست نظاما فعالا.. انظر إلى الصين.. معدل النمو في الصين مذهل، ولكن الصين نمت إلى حد كبير كمصنع تجميع.. إنها في المقام الأول مصنع تجميع للبلدان الصناعية المتقدمة في محيطها.. اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية.. على سبيل المثال، فوكسكون؛ هذا المصنع الضخم والبشع في الصين، حيث ظروف العمل بشعة تماما، هو مصنع تملكه تايوان.. وتنتج أجهزة كمبيوتر آبل، والآي بود، وأجهزة كمبيوتر "ديل".. ما حدث على مدى السنوات الماضية أن الصين أصبحت مصنع تجميع للصناعات المتقدمة وللبلدان الرأسمالية في محيطها، وللشركات الغربية المتعددة الجنسيات.. الآن بالطبع، عاجلا أو آجلا، سوف تبدأ الصين في الصعود على سلم التكنولوجيا.. في بعض النواحي ذلك يحدث بالفعل.. وقد بدأت الصين فعلا في ابتكار الخلايا الشمسية التي تفوق نظيراتها المصنعة في أماكن أخرى..

أسانج: طارق، كلاكما أنت ونعوم كنتما لفترة طويلة ناشطين.. عندما تنظر إلى هذا الجيل من الناشطين الآن في الغرب الذي بدأ للتو يتقوى سياسيا، هذا شباب الإنترنت المتشدد، ماذا تريد أن تقول لهم؟ ماذا يمكن أن تعطيهم من الخبرة التي لديك من خلال تلك المعارك المتعددة على مدى عشرات السنين؟ لأنه يبدو لي أن هناك لحظة، ربما حدثت خلال الثمانينيات والتسعينيات، حيث لم تكن هناك تلك الاستمرارية من ثقافة المعارضة في الغرب.

طارق: أنا أحاول تجنب إعطاء المشورة للأجيال الشابة لأن الأجيال تختلف بعضها عن بعض، وبالنظر إلى أن العالم قد تغير كثيرا، فإن النصيحة العالمية الوحيدة المعطاة للجميع هي "لا تستسلموا".. كنا نعيش خلال أوقات عصيبة، كما تعلم، حين ضاع كل شيء، وكثير من الناس أصبحوا سلبيين، ولكن السلبية تؤدي عادة إلى الاندثار.. وأعتقد أن من المهم للغاية أن يعي الشباب الصغار الذين ينشؤون اليوم أنهم بحاجة إلى أن يكونوا نشطاء.. النشاط هو الشيء الذي يؤدي إلى الأمل، وأنهم ما لم يتفاعلوا مع أنفسهم فلا أحد سيسلمهم أي شيء على طبق من ذهب.. هذا هو الدرس المستفاد من السنوات القليلة الماضية للجيل المتشدد الجديد.. لا تستسلم.. تحل بالأمل.. ابق مشككا.. كن ناقدا للنظام الذي يهيمن علينا جميعا.. وعاجلا أو آجلا.. إن لم يكن في هذا الجيل فربما في الأجيال القادمة.. الأمور ستتغير..

أسانج: نعوم؟

نعوم: لقد تغير الكثير من الأمور على مر السنين.. وهي تغيرت في كثير من الأحيان نحو الأفضل.. تغيرت لأن الكثير من الناس المتفانين التزموا بالعمل على التغيير.. التاريخ لم ينته.. هناك تغيرات مقبلة، ونحن نستطيع أن نساهم بها.. هناك مشكلات خطيرة جدا تتحدانا.. على سبيل المثال، إذا كانت أنواع من الحيوانات لا تزال تنقرض، فربما من المحتمل أن نواجه زوال احتمال البقاء على قيد الحياة..

(عن قناة "روسيا اليوم")

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 2 زوار  على الموقع