| أدونيس: هذا هو اسمي (ح 10)* |
| السبت, 09 يونيو 2018 08:29 |
|
ليس هناك أسوأ من عدو صغير!
هلا حدثتنا عن هذا الظرف، وعن رؤيتك لبيروت اليوم، هل ماتت بيروت العصر الذهبي التي شاركت في صنعها؟ أدونيس: لا أظن، أظن أن هناك سجالا على واقع بيروت وحقيقتها تنسجه السياسة ورجال السياسة، لكن الطاقات الخلاقة في بيروت – بالمعنى الفردي- لا تزال موجودة. بعضها وجد سبيلا إلى الهجرة، لكن أظن أن في بيروت طاقات خلاقة لا يمكن أن تغلب ولا تستنفد. إنما - كما نعرف جميعا- المؤسسات، والانتماءات السياسية والحزبية، والصراعات الاقتصادية، والذي يقوم على هذا كله، يهمش هذه الطاقات، ويركز الفاعلية في الإطار السياسي البحت. لكن آمل أن يجد السياسيون ذات يوم أنهم لا يستطيعون الوصول إلى ما يحلمون به إذا لم تكن هذه الطاقة الخلاقة جزءا من عملهم الحي. لا سياسة عظيمة إذا لم تكن قائمة على ثقافة عظيمة. لكن يمكن أن يكون الحق على المثقفين؛ فهم الذين انحازوا، أو آثروا اختيارات أخرى. لا على المدينة؛ فهي في ذاتها أفق مفتوح. أنا كتبت هذه المحاضرة كعاشق لبيروت، وكنت أعيش في بيروت. وكعاشق لبيروت جعلتني المسافة أكتشف الأخطاء في بيروت على جميع المستويات، أكثر مما كنت أكتشفها وأنا أعيش فيها. أنا لا أستطيع أن أرى بيروت أقل شأنا من باريس على الإطلاق، وعلى أي مستوى. بذهنية العاشق هذه أتيت إلى بيروت وكشفت أخطاءها التي تخون أحلامي، ولذلك قسوت على هذه الأخطاء، لأنني كنت أحب بيروت الحلم، وبيروت الأفق، وبيروت التي أعطيتها حياتي كلها واخترتها عن جميع مدن العالم. اخترتها كمشروع مفتوح إلى ما لا نهاية؛ بتعدديته وبتنوعه، وبعناصره الثقافية المختلفة إلى درجة التناقض أحيانا، والتي تعيش كلها في ساحة واحدة وفي أفق واحد. وهذا لا مثيل له في أي مدينة في العالم. لهذا الهيام ببيروت، وبما يمكن أن تنجزه وتحققه قسوت عليها. وكيف يمكن لبيروت أن تكون أو أن تكبر بمثل ما نراه في الواقع العملي. سامحتْهم بيروت. أنا قد لا أسامحهم، لكن بيروت التي أحبها سامحتهم. بيار: يمكن أن تعيش كل المدن التي نحبها في وجداننا أكثر مما هي في الواقع أدونيس: أنا قلت أشياء، ولا أزال أكررها أيضا: لا توجد مدينة عربية بالمعنى العميق للكلمة، إذا استثنينا القاهرة، ودمشق قليلا لوجود تموضع مدني في بعض الشوارع والأزقة والآثار والمؤسسات، لكن بقية المدن العربية هي تراكمات وتجاورات من المجموعات البشرية المتنوعة. لا يوجد تمازج بشري في هذا التعدد. هناك تعدد أفقي على السطح، لكنه ليس عموديا في العمق؛ وهذا ما ينقص بيروت، وهو ما يجب دائما أن نكرره؛ حبا في بيروت، وحبا في هذا المكان الذي نسميه بيروت، والذي لا مثيل له؛ خصوصا أن بيروت في التاريخ جسدت أعظم عمل مدني في تاريخ الحضارات حسب ظني، في وقت كانت روما قد أعطت جنسية رومانية لجميع الشعوب التي كانت تحت سيطرتها، وهذا عمل لا مثيل له. في جميع الأصقاع والبلدان التي حكمتها روما أعطتها جنسية لجميع السكان. ومدرسة بيروت القانونية كانت أساسا في مثل هذا التفكير. وإذن فمدينة من هذا المستوى لن يمكن أن يجرها بعضهم ويكسوها ثوبا آخر ويوجهها إلى مناح أخرى لا علاقة لها بها هي كمدينة حضارية وتاريخية، وإنما العلاقة بمصالحهم وبانحيازاتهم وبعلاقاتهم. هذا لا يجوز. يجب أن نقول إن هناك كثيرا من الأشخاص وافقوا طبعا. بيار: أنا منهم. أدونيس: انقسمت بيروت أيضا، ومعظم الذين كتبوا – مع الأسف- كتبوا بانحياز. اتخذوها فرصة لمهاجمة أدونيس بدل اتخاذها فرصة لتوضيح آرائهم في هذه المدينة العظيمة. لم يتكلموا عنها! لم يناقشوا آرائي، وإنما هاجموني شخصيا. وأنا أسامحهم. بيار: هذا يمنحنا مناسبة للكلام عن شيء مغاير تماما.. هو أدونيس المحبوب، الرجل الذي أثّر في وعي أجيال. نحن ندين لك بالكثير، باختراع الفكرة والمشروع، وإعادة النظرة إلى العالم والتراث واللغة والأدب والإبداع والتجاوز.. كيف يتفق هذا مع كونك دائما موضوع نقد عنيف من مصادر مختلفة وموضوع أبلسة و"مكروها". هل هو الأب الذي يحاول ورثة شرعيون أو غير شرعيين قتله؟ ما هو السبب؟ أدونيس: هل تصدق إذا قلت لك الآن وللإخوة الذين يسمعوننا إنني سعيد بهذا العداء، لأنني أطرح سؤالك بروح هذا العداء؟ لو كان هؤلاء الناس يحبونني فعلا لكنت أشك في نفسي وأقول: هناك شيء ما فاسد فيَّ. وإذن أنا سعيد جدا بمثل هذا العداء، وكنت أتمنى لو كان هناك عداء في مستوى القضايا التي يطرحونها. ليس هناك أسوأ من عدو صغير! بيار: لكنهم ينتقدونك من آفاق مختلفة. هناك طفيليون، ولكن ثمة ناسا جديرين بالثقة والاحترام. هناك دائما جدل حول أدونيس. أدونيس: أنا أفضل عدوا ذكيا وذا خلق عال على صديق جاهل. بيار: هناك أيضا منهجك وطروحاتك التي تستفز الأيديولوجيا المهيمنة. أدونيس: لكن كنت أتمنى لو تناقَش. لا يناقشون ما أقوله! إنما يطلقون الاتهامات. كتاب الثابت والمتحول مثلا، لم يصدر نقد واحد يناقش ما أقوله والأطروحات التي قدمتها. الكل تهجم. أنا بالمناسبة حرصت في هذا الكتاب – لأني أعرف المناخ- على أن لا أعتمد على أي كتاب ألفه شيعي أو منسوب إلى الشيعة في الماضي. بيار: يقال إنك رافضي.. أدونيس: رأسا قيل لي إن هذا انحياز للشيعة! مع الأسف كان مستوى النقد سطحيا جدا وغير لائق؛ لا بالتاريخ العربي، ولا بالتاريخ الإسلامي، ولا بهؤلاء المفكرين! الشخص المفكر يناقش أطروحة ويفندها علميا، لكن هذا لم يحدث أبدا. وهذا ما يؤسفني. بيار: على ذكر الثابت والمتحول هناك مؤلَّف مرجعي آخر حاول أن يقرأ تراثنا بوجهة نظر مختلفة عن منهجيتك، هي الماركسية. أتحدث عن النزعات المادية في التاريخ الإسلامي لحسين مروة. كيف يصدق أنك لم تشتبك نظريا مع تلك الأطروحة؟ تجاورت النظريتان لكنهما لم تتقاطعا مرة. أدونيس: تناقشنا شخصيا في هذا. كنا نلتقي ونتناقش، ومن جملة الأشياء التي كنت أقولها له: يا أستاذ، كتابك – مع هذا الجهد الكبير الذي قمت به- كتاب سياسي، لأنك تقول للمسلمين: الماركسيون ليسوا ضد الإسلام، وإنما يُعْنَوْن به، وها نحن نكتب عن النزعات المادية.
كان المهم للماركسي أن ينتقد الأسس المعرفية التي قامت عليها الرؤية النبوية، وإذن أنت استخدمت الماركسية لغرض لا يجدي شيئا، لا معنى له. ما ذا يجدي أن تكون للتراث الإسلامي نزعات مادية! ما معنى ذلك؟ افترض أنها فيه، ما معنى ذلك في الأخير؟ بيار: أو يتلاقى مع نظريتك، لكن من مكان آخر؛ فكرة العقلانية، وفكرة علاقة السلطة والدين. أدونيس: مع الأسف لم يقم على هذا التأويل. الكتاب كان يريد أن يثبت أن الإسلام نزعة مادية أو فيه نزعة مادية. وكان رأيي أن المؤلف أضاع وقته وأهدر جهدا كبيرا ومحترما وعملا مهما جدا، لكنه لا يحفر في المعرفة العربية شيئا عميقا في تقديري. مثل ما كتبه الأستاذ محمد علي الجابري، لأن كل مشروعه صقيل جميل، لا أكثر. لم يقدم أي جديد على الإطلاق. من قدم شيئا جديدا أخيرا هو عبد الله العروي، وهذا جميل، ومحمد أركون، أو د. محمد محمود، السوداني الذي يعيش في بريطانيا في جامعة هيكستن. هؤلاء ألفوا كتبا نقدية عظيمة حول النبوة وتاريخها، وأضيف إليهم د. عادل ظاهر، اللبناني الذي يعيش في انيويورك. بيار: أعتقد أن محمد أركون لجأ إلى اللغة الفرنسية كي يقرأ بهذه الطريقة الجريئة والمعاكسة للتيار. أدونيس: كل ما قاله أننا يجب أن نقرأ النص الديني بوصفه نصا تاريخيا، وهذا شيء مهم جدا، لكن هذا مورس عمليا في التاريخ الإسلامي القديم. مارسه ابن رشد، ومارسه ابن الراوندي، ومارسه أبو بكر الرازي. هو (أركون) صديقي، وكنا نتناقش دائما. كنت أقول له: محمد.. يجب أن تذهب إلى أبعد من ذلك؛ أن تطرح سؤالك على النص ذاته. وكان يجيبني ممازحا: يا أدونيس.. كأنك تريد أن تقتلني! لم نذهب إلى الأقاصي التي توجبها أو تفترضها المعرفة. ____________ * نقلا عن قناة الميادين. |
