سكان شمال إفريقيا: الأصول الحضارية (ح1)
الأربعاء, 12 نوفمبر 2014 09:12

 

د. عثمان سعدي   

altينتمي سكان شمال إفريقيا إلى حوض حضاري يقع بين المحيط الهندي والمحيط الأطلسي،وسكان هذا الحوض أصولهم واحدة؛ فعلم الإناسة يؤكد ذلك، فالجماجم التي اكتشفت في اليمن، وفلسطين (نيانتردال) وليبيا (هوا أفطيح) والجزائر (مشتى العربي) متشابهة، ويقدر العلماء عمرها بثلاثة وأربعين ألف سنة.(1)

وأنا أتناول الانتماء الحضاري لسكان شمالي إفريقيا، لأن الحضارة تحمل في طياتها معالم القدم الذي لم يسجله التاريخ.

 

 هجرة الإنسان من الجزيرة العربية وتعميره لحوض البحر المتوسط:

اختلف المؤرخون حول مصدر الهجرات البشرية؛ فالبعض يرى أن أول تجمع بشري حدث في الصحراء الكبرى التي كانت بحرا، ثم تحولت إلى بحيرات تجمّع على شواطئها "الجنس الليبي البربري" (Race Lybico-Berbere) وعندما زحف الجفاف على الصحراء الكبرى وجفت البحيرات، هاجر الإنسان إلى العالم، وهو احتمال ضعيف.

يقول المؤرخ الفرنسي غوتييه في كتابه: "ماضي شمال إفريقيا" (ص 23 طبع باريس 1964): "الاحتمال الكبير هو أن الإنسان الذي عمر وادي النيل هاجر من الصحراء الكبرى"(2)

 والاحتمال الأرجح هو أن مصدر الهجرات بجنوب البحر المتوسط وجنوب أوروبا متأت من الجزيرة العربية؛ فقبل أربعين ألف سنة كانت حضارة بالجزيرة العربية دامت عشرين ألف سنة، ويوضح ذلك المؤرخ العراقي أحمد سوسة فيقول: "إن حضارة العرب القديمة مرت بثلاث مراحل في خلال تطورها عبر التاريخ:

المرحلة الأولى (أقدمها) تبدأ في حوالي أربعين ألف (40000) سنة قبل الميلاد، وتنتهي في حوالي (18000) سنة قبل الميلاد. وقد عاشت هذه الحضارة ضمن حدود جزيرة العرب؛ ففي هذه الفترة التي دامت حوالي عشرين ألف سنة (الدورة الجليدية الرابعة) كانت أوروبا مغطاة بالثلوج؛ في حين كانت الجزيرة العربية تتمتع بجو معتدل رطب تكثر فيه الأمطار في كل المواسم شتاء وصيفا، مما ساعد على نمو الغابات الكثيفة في المنطقة تحولت فيما بعد عصر الجفاف نتيجة للضغط إلى طبقات نفطية، كما ساعدت هذه الظروف الملائمة على تكوين حضارة نهرية لا تقل شأنا عن حضارة وادي النيل وحضارة وادي الرافدين. وكان هناك نهران كبيران يخترقان جزيرة العرب من أقصاها إلى أقصاها، تقوم عليهما الزراعة التي تعتمد على الري الدائم. لذلك فلا سامية ولا جاهلية ولكن هناك عروبة وحضارة عاشتا في جزيرة العرب منذ أن عرف الإنسان القومية والتمدن قبل عشرين ألف سنة"(3)

 والذي يؤكد كلام أحمد سوسة اكتشاف نهر جوفي يمر قرب مدينة الرياض ويمتد مئات الكيلو مترات على عمق يتجاوز الألف متر حفرت به آبار ارتوازية. قدر العلماء عمر هذا النهر بثمانين ألف سنة، تكوّن في نفس الفترة الزمنية التي تكونت فيها البحيرة الألبية الضخمة الجوفية في صحراء الجزائر، وبحيرة صحراء ليبيا التي يمتد منها النهر الأخضر في ليبيا.

 ويستمر أحمد سوسة فيقول: "وهناك دلائل تشير إلى أن الماشية - بما فيها الجاموس والمعز والضأن- دجنت واستخدمت اقتصاديا في اليمن وبلاد العرب القديمة قبل أن تدجن في مصر والعراق، كما أن القمح والشعير كانا ينبتان فيها بشكل طبيعي دون أن يزرعا.. لذلك فقد أجمع العلماء على أن شبه الجزيرة العربية هو مهد الحضارة العربية، لأن قرائن عديدة دينية ولغوية وتاريخية وجغرافية تشير بوضوح إلى أن جزيرة العرب هي مهد الحضارات السامية ووطن الساميين الأولين.

فالأكاديون والعموريون والكنعانيون والآراميون والآشوريون والعمونيون والأدوميون والنبطيون والصابئة والأحباش والعرب (والأمازيغ البربر طبعا) يعدون من الأقوام السامية التي تشترك في أسرة اللهجات السامية. وقد اعتبر البعض المصريين من الأقوام السامية في الأصل، وأن وطنهم الأصلي هو جزيرة العرب، هاجروا منها واختلطوا هناك بزنوج وادي النيل، فنتج منهم ومن السكان الأصليين المصريون كما نعرفهم في التاريخ".(4)

 وقبل عشرين ألف سنة دخلت الكرة الأرضية المرحلة الدافئة الثالثة، فراح الجليد يذوب في أوروبا وشمال إفريقيا، ويزحف الجفاف على الجزيرة العربية فهاجر الإنسان منها إلى بلاد الرافدين فالنيل فشمال إفريقيا؛ بل وإلى أوربا. يقول أحمد سوسة إنه "عندما دخلت الكرة الأرضية المرحلة الدافئة الثالثة (Wurm3) في 18000 سنة قبل الميلاد، زحف الجفاف على الجزيرة العربية، وذاب الجليد في أوروبا فراح الإنسان يهاجر وينتشر عبر الرافدين والهلال الخصيب ومصر وشمال إفريقيا".

بل إن بعض المؤرخين الغربيين يرون أن هذا الإنسان العربي استوطن جنوب أوروبا! فويليام لانغر (William Langer) المؤرخ الأمريكي في كتابه موسوعة تاريخ العالم يقول: "وانتشر فرع من عناصر البحر المتوسط والصحراء، الطويلة الرؤوس وأقاربهم من العرب والبربر وغيرهم في جنوب أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأدنى".

ويقول عن هجرة الإنسان: "فقد كان الاتجاه العام للحركة الحضارية من الجنوب إلى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب، ولهذا كانت المناطق الجنوبية والشرقية في أي وقت مضى تتمتع بحضارات أكثر رقيا من حضارات المناطق الهامشية في الشمال الغربي".(5)

 ويتفق مع سوسة وِل ديورانت (Well Diorant) في أن مصدر الحضارة جزيرة العرب فيقول في كتابه الموسوعي "قصة الحضارة": "إن الحضارة - وهي هنا زراعة الحبوب واستخدام الحيوانات المستأنسة- قد ظهرت في العهود القديمة غير المدونة في بلاد العرب، ثم انتشرت منها في صورة مثلث ثقافي إلى ما بين النهرين (سومر وبابل وأشور) وإلى مصر".(6)

 

 هجرة العرب لشمال إفريقيا:

حدثت هجرات عربية عديدة لشمال إفريقيا لم يسجلها التاريخ، وحتى بعض المؤرخين الأوروبيين يقرون هذا؛ كويليام لانغر، وغابرييل كامبس الذي يعيدها إلى ما قبل الألف الثامنة قبل الميلاد، وبوسكويه. (G.H Bousquet) الذي يقول: "وعلى كل حال يوجد ما يجعلنا نقتنع بأن عناصر مهمة من الحضارة البربرية - وبخاصة اللغة- أتت من آسيا الصغرى عن طريق منخفض مصر، في شكل قبائل تنقلت في هجرات متتابعة، على مدى قرون عدة، في زمن قديم لم يبتّ في تحديده".(7)

 لقد حدثت هجرات قحطانية من جنوب الجزيرة العربية، قبل آلاف السنين؛ والذي سجله التاريخ هجرة الكنعانيين الفينيقيين في منتصف الألف الثانية قبل الميلاد، حضروا فأقاموا مدنا ساحلية تجارية، وأخرجوا عن طريقها بني عمومتهم الأمازيغ من العصر الحجري وأدخلوهم التاريخ، وأسسوا إمبراطورية قرطاج الذي يعتبر تأسيسها تزاوجا بين الكنعانيين والأمازيغ. فهي إمبراطورية كنعانية أمازيغية. فملحمة حنّا بعل العابرة لجبال الألب ساهم فيها الأمازيغ؛ فقد كان سلاح الفرسان بجيشه أمازيغيا، يقوده الفارس الأمازيغي مهر بعل.

وحضارة قرطاج هي مكتشفة الحروف الهجائية وناشرتها بالقرن الثامن قبل الميلاد في أوروبا؛ فالحروف باللغات الأوروبية تسمى حتى الآن "ألف باء".

قال ويل ديورانت عن الكنعانيين الفينيقيين العروبيين ورسالتهم الحضارية بالعالم: "أقاموا لهم حاميات في نقط منيعة على ساحل البحر المتوسط؛ أقاموها في قادز، وقرطاجنة، ومرسيليا، ومالطة، وصقلية، وسردانيا، وقورسقة؛ بل وفي انكلترا البعيدة. واحتلوا قبرص، وميلوس، ورودس، ونقلوا الفنون والعلوم من مصر، وكريت، والشرق الأدنى، ونشروها في اليونان، وإفريقيا، وإيطاليا، وإسبانيا؛ وربطوا الشرق بالغرب بشبكة من الروابط التجارية والثقافية، وشرعوا ينتشلون أوروبا من براثن الهمجية".(8)

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. رشيد الناضوري" المغرب الكبير، ج1، ص 62، القاهرة 1966.

 2.E.F.Gautier: le passé de l’afrique du nord P23 Paris 1964.

3. أحمد سوسة: حضارة العرب ومراحل تطورها عبر العصور، طبع بغداد 1979، ص 15 ـ 16.

4. المرجع السابق، ص 18.

5. ويليام لانغر (William Langer): موسوعة تاريخ العالم، الترجمة العربية، القاهرة 1962، ج1 صفحة 25 و32.

6. ويل ديورانت (Well Diorant): قصة الحضارة، الترجمة العربية، ج 2 صفحة 43 طبع القاهرة 1961.

7. :Les Berberes P26 Paris 1957 Bousquet G.H

8. ويل ديورانت، مرجع سابق صفحة 313.

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع