سكان شمال إفريقيا: الأصول الحضارية (ح4)
الأحد, 23 نوفمبر 2014 08:53

 بيير روسي الفرنسي والعروبة:

altأروع ما كتب في أوروبا كتاب العالم الفرنسي بيير روسي (Pierre Rossi) "وطن إيزيس: تاريخ العرب الصحيح" (La Cité D’Isis: histoire Vraie des Arabes) الذي طبع سنة 1976 بباريس؛ فقد تعقب الحضارة الإنسانية من خلال اللاهوت والمعتقدات الوثنية والمنزلة منذ آلاف السنين، وأثبت حقيقة أن جذور الحضارة الإنسانية وبخاصة في مهدها بالبحر المتوسط كانت عربية، فهو يقول إن "الثقافة اليونانية والثقافة الرومانية اللاتينية ما هما إلا شرفة صغيرة في صرح الثقافة العربية الكبير، وإن النزعة التعصبية الأوروبية أخفت هذه الحقيقة لتبرز زورا أن جذور الحضارة الأوروبية يونانية".

ومن الغريب أنه يتفق مع العالم الكبير العراقي العربي أحمد سوسة في كتابه "حضارة العرب ومراحل تطورها عبر العصور" الذي طبع ببغداد سنة 1979 والذي تتبع فيه جذور الحضارة الإنسانية العربية عبر الآثار الأركيولوجية في بلاد الرافدين. وعندما كنت سفيرا بالعراق سألت سوسة سنة 1974، إن كان قد اطلع على كتاب روسي، فعلمت أنه لا يعرف عنه شيئا بسبب اللغة فلغته الأجنبية الإنكليزية. وأنصح الشباب العربي أن يقرأ هذين الكتابين.

سأحاول أن أورد فقرات من كتاب روسي، من الترجمة العربية الجيدة التي تمت وطبعت بالجزائر سنة 2006 والتي قام بها الأستاذ مولود طياب. لأن روسي ينصف التاريخ العربي أفضل من المؤرخين العرب أنفسهم، ويعتبر أن أصل الثقافة البشرية عربي، وأن جذر اللغات بالدنيا هي اللغة العربية، وإلى المتلقين مقتطفات من الكتاب؛ حيث إنني سأطيل فيه نوعا ما:

جذر الحضارات: ومع هذا فإن تاريخ الشرق وتاريخ الغرب بأجمعه إنما تم وجرى تحت سيل نور آسيا ـ أمّ الشعوب ـ وتحت سماء النيل وفي رحابه، وأن مصر وبابل قد جمعتا الإيحاءات الجبارة التي تولدت عنها الحضارة العربية الكبرى التي أذاعت، منذ فجر العصور، معارفها وأسلوبها في الحياة، في جميع الأقطار الواقعة بين الهندوس والتاج والنيل الأزرق والبلطيق، ولم تكن أثينا وروما إلا صدى وانعكاسا لهذه الحضارة.. إن أوروبا ليست هي مركز العالم، ولا هي مرآة الخير الأسمى، إنها بصفتها بنتا للشرق الإفريقي الآسيوي لا تمثل في هذا المحيط من الفضاء والزمان إلا منطقة تعمل فيها طاقات ذات جذب نحو الشرق المذكور. ( ص 9 ـ 10 من المقدمة).

إن هذه الأمم المسماة بالسامية زعما وتضليلا هي عربية في الأصل.. إن المشرق بلاد إمبراطوريات قد عاش على وتيرة منسقة وحياة خمس إمبراطوريات هي: الإمبراطورية المصرية، والبابلية، والرومانية، والبيزنطية، والخلافية الإسلامية.. (ص 37). لقد نشأت حضارتنا خلال العصور في مثلث محصور بين البوسفور والنيل وسوز عاصمة العيلاميين، وقد أنجبتها شعوب مصر وكنعان والأناضول والأشوري البابلي التي تنتمي إلى أسرة واحدة هي الأسرة العربية.. (ص 38) ولنتأمل خريطة تمثل بلاد المشرق حضارات كبرى تظهر وتنمحي وفقا للمأساة التي ترجع إلى الألف الخامس قبل الميلاد، إذ لا يسمح لنا جهلنا بالرجوع إلى أبعد من ذلك، هذه الحواضر التي سطعت أسماؤها أربعة: ممفيس، وصور، وبابل، وسوز، وقد خلَفتها ست حواضر أخرى هي الإسكندرية، وقرطاج، وروما، وأنطاكيا، وبيزنطة، وسلوقية، وأخيرا ثم اسم يسطع وحده هو بغداد؛ الحاضرة التي تعتبر خاتمة لانفجار ثقافة جذبت وراءها من قبل أثينا وقرطاج، وسراكوز، وكوم (Cumes). ولكن مراكزها الكبرى بقيت في مصر وبلاد ما بين النهرين. وباستثناء هذه المدن المشهورة فإن باقي خريطة المشرق يسود فيها الظلام، فلا نتبين فيها لا تيماء في شمال الحجاز، ولا مأرب في اليمن اللتين تشهدان مع ذلك على أنه كانت توجد في تلك العصور البعيدة وحدة ثقافية تضم سكان الصحراء العربية والممالك النهرية الغنية، أعني بين "الساميين الجنوبيين والساميين الشماليين كما يمكن أن يقول علماؤنا الذين يتخوفون من النطق بكلمة العرب".. (ص 39 ).

وفقا لتتبع الأديان الأرضية والمنزلة: الأسطورة تقول إن الإله ممنون ولد في سوريا، أو الأناضول، أو في مصر العليا، إنه بطل عربي، معروف، وكان له ضريح على الضفة الآسيوية من الدردنيل، ويقال إن أسرابا من الطيور المجسدة لأرواح رفاقه الخالدة تحضر كل سنة وتتفرق إلى جمعين متعارضين لتتقاتل في الختام، وتطلق بكاء على رفاة ممنون.. (ص 45)..

إن تفسيرنا لأشياء المشرق سيتحرر من سلطان الأحكام الشائعة، عندما نعدل عن استمداد علم التاريخ من التوراة.. (ص 49).

 ويتعرض للملك الفارسي الكبير دارا الذي غزا نينوى بابل (ومن المعلوم أن الغازي يفرض لغته على المغزو، لكن حدث العكس؛ فقد أخذ اللغة الآرامية - لغة أرض الرافدين- ورسمها في المنطقة الواسعة التي سيطر عليها: مقدم البحث.) يقول روسي: "ألم يحرر دارا في الخمسمائة سنة قبل الميلاد القانون المصري بالآرامية لتطبيقة في سائر بلاد الإمبراطورية؟"(ص 43).. الآرامية حظيت باستعمال واسع فصارت ابتداء من القرن السابع ق. م، لغة الحديث المشتركة (Koine) في سائر البلاد الآسيوية من حدود النيل إلى الهندوس في الفضاء العربي بالتحديد..

إن اليونانية كانت لغة ناقلة، فالمدد الثقافي والعلمي والديني الكبير إنما جاء من العرب؛ فلا يجوز - على هذا- أن نقلب الأدوار، وأن نجعل من اليونان الذين كانوا ورثة فقط، آباء لأسلافهم الروحيين. إن اليونان كانوا يسمون نجوم "الدب الأصغر" مجموعة فونيكة لأنها هي التي كان يسترشد بها بحارة صور وصيدا.. (ص62 ـ 63).

 يقول هرقليت اليوناني: "إنه توجد قطعا قوانين صدفة".

ويضيف الرواقيون (Stoiciens) أتباع زينون قائلين: إن كل شيء يجري طبقا لإرادة الرب الأعلى؛ فهنا كمــا في مصـر اعتقاد بالرب الأبدي المهيمن المجيد (ويدعى إلْ) التسمية التي تطورت بعد ذلك إلى الله، وإلى هِل في اليونانية البدائية وإلى هيلوس في اليونانية الكلاسيكية، أي الشمس.. (ص 73 ـ 74). (في لسان العرب لابن منظور كلمة الإل تعني الله. مقدم البحث).

 كانت إزيس المصرية تقابل عشتار البابلية.. هيرودوت يقول بأن "الفرس سموا عشتار باسم مثرا" ومعنى هذا أن جميع الآلهة البابلية كانت في المعبد الفارسي فبل عهد سارا، كما كانت قبل ذلك في المعبد المصري.. (ص77 ).. إن التنقيبات بصدد الانطلاق في شبه الجزيرة العربية، ولنراهن على أنها ستؤدي بنا إلى مفاجآت وستكشف لنا العلاقات المتينة المختلفة التي ألفت شبكة العروبة منذ أقدم العصور.. (ص 65). عشتار: الربة النجمة. (ص 71). يرى المؤلف أن الآلهة اليونانية منحدرة من الآلهة العربية: "إيزيس المصرية تقابل عشتار البابلية.. وفينوس وأفروديت التي تسميها الأساطير اليونانية باسمها البابلي وهو سلامبو (ص 86) كلها صدى لطبيعة عشتار. الإله الغالي بيليم هو بعل؛ كلها مستمدة من اسم الإله الأكبر إلْ العربي.. إن بعل الكنعاني هو "رب" سائر الطاقات الأرضية وهو معبود في كل مكان: بعل هرمون، بعل فيقور، بعل ستور، بعل سيدونو، بعل بك.. إلخ. وهو يدعى باسم أدوناي، وهو أدونيس العربي (ص 86) وهي أسماء عربية كلاسيكية وليست عبرية.. رب البحر زبيل يمّْ (اليم بالعربية البحر. مقدم البحث) المتحالف مع نهار أي النهر.. زيوس تزوج بالفلسطينية سميلة أو شملة بالعربية بنت كدموس ملك صيدا.. (ص 91).

 في الفلسفة: جميع فلاسفة اليونان بدون استثناء، يعترفون بانتمائهم إلى المشرق، وبكونهم من تلامذته. كلهم تقريبا قد ولدوا بالمشرق أو جالوا فيه مدة طويلة.. (ص 119). إن الفلسفة اليونانية تبينت وتهيكلت ابتداء من القرن السادس ق. م، خارج حدود شبه جزيرة اليونان، في آسيا في المراكز الفلسطينية بإيطاليا الجنوبية. وكان فيثاغورس ساموس، وهرقليت إيفيز وبرمنيد إيلي (فيلسوفان يونانيان بالقرن الخامس ق. م) من كبار الممثلين لها.. وعلى كل حال فقد وجدت فلسفة بلغة آرامية لدى اليونان قبل أن تسلك الطريق بلغة اليونان.. (ص 120).

إن آسيا لم تأخذ شيئا من الهلينية؛ بل إنها أمدتها بكل شيء. إن أثينا قد أخصبت روما، لكن لم تخصب الإسكندرية، ولا بابل، ولا مكة، ولم يقدم أفلاطون أي شيء إلى العالم العربي، كما لم يفعل أرسطو.. ولكننا نحن الذين جعلنا من اليونان بلادا مصدرة للمعرفة البشرية، لا هم. كان أفلاطون يعترف بكل تواضع بأنه تلميذ مطيع. وقد ذكر في التيمي أن قسا مصريا قال لصولون كأب نصوح: "إنكم أيها اليونان أطفال لا غير". فلنقدر الأمور حق قدرها ولا نكن أحرص على سمعة اليونان من اليونان.. اليونان هم الذين نشروا أسرار الشرق.. (ص 121). ماذا كان يعلم فيثاغور بالضبط؟ إنه كان يعلم ما كان أهل المشرق يعرفونه منذ رمن طويل: وهو "أن الله ليس له جسم ولا رأس كالبشر، ولكنه مقدس لا يمكن وصفه".. (ص 123). إن أحسن تفسير لفيثاغور وهرقليت، النصوص المقدسة الفلسطينية والبابلية.. (ص 129). إن حياة أفلاطون أكثر فائدة من غير شك، قصد إلى مصر لاستكمال دراسته، وقد أقام بها مدة طويلة، ثم رحل إلى ليبيا واستقبله في قرنية (برقة) تيودور الفيثاغوري.. ومنها إلى البلدان العربية وإلى البلدان المتأثرة بقوة بالفكر الفلسطيني والسياسة الفلسطينية. وقد بيع كعبد رقٍّ أثناء الحرب بين إيجين وأثينا فاشتراه ليبيّ وأعتقه.. (ص 130).

إن أرسطو تلميذ للمشرق.. ولم لا نحاول البحث عن كفلاء أرسطو في آسيا بدل اليونان؟ ومثل هذا السؤال هو السؤال الذي يجب طرحه دون عناء، على من يريدون أن يحصروا التاريخ في السُّرَّة الأوروبية ويتركون في الخفاء هذه الفضاءات والبلدان التي جادت لأوروبا بنورها.. (ص 137). فخلفاء أرسطو أبرزوا الطبيعة الفيزيائية للفلسفة؛ بينما أكد آخرون السمة الأخلاقية. وقد عنيت المدرسة العربية في ليبيا بقيادة أنتستان وأرستيب القرني (البرقوي) بإبراز دور الحواس واللذة والألم المحددين للسعادة بأنها التوازن بين الأجزاء المختلفة من جهاز بدننا.. (ص 138). وفي مقابل المدرسة العربية الليبية التي أحيت الفيزياء الذرية، كانت مدرسة عربية أخرى، هي مدرسة الفلسطيني زينون دوستيوم الذي كان حوالي 315 ق.م، يسيّر في قبرص مؤسسة توريد وتصدير ويعتبر مؤسسا للرواقية (Stoisme. ص 139).

إن الفلسفة اليونانية انطلقت من المشرق وآلت إلى المشرق، لتسود في مصر وسوريا وفلسطين. وابتداء من القرن المسيحي الأول أحيا السوريان ليبانيوس ونومينيوس دايامي فلسفة فيثاغور والأفلاطونية، وأذاعاها، بينما اشتهر في مصر أربعة أسماء في أفق الفلسفة العالمية؛ وهي فليون اليهودي، وأمونيوس سيفاس، وفلوطين الأسيوطي في النيل الأوسط، وبرفير. وهذا من غير إدراج أنتدور دوكانا أستاذ الإمبراطور أغوسط، ودوجين البابلي، وأبو لودور العراقي السلوقي ومن دجلة، وسوسوس الأسكلوني.. إلخ.

وأخيرا إن التوراة والإنجيل قد حررا وشرحا باللغة اليونانية، كشاهد على انسجام واستمرار ثقافة كانت عربية في بدايتها، ثم انقلبت عربية إيجية ابتداء من منتصف الألف الثاني ق. م، وغزت بعد ذلك غربنا (أي أوروبا).. إن كل ما هو أساسي في ثقافتنا، إنما نشأ باستمرار في البلاد اليونانية الآرامية لا في غيرها، وإن غربنا (أي أوروبا) المستهلِك الناقل لهذه الثقافة لم يكن هو المبدع لها ( ص 140 ـ 141).

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع