الموالاة والمعارضة في موريتانيا
الأحد, 03 مارس 2013 14:33

 

بين من يقدم الأفضل وفق رؤيته ومن يرى الثغرات أكثر في برامج الآخر

alt

بقلم: التراد الشيخ سيد الأمين

منذ أن ترعرعت وأحسست أن بداخلي نضجا، وأنا أسمع دائمافي المجتمع من يتحدثون عن الموالاة والمعارضة، ساعتها وأنا أردد بداخلي تلك الكلمات، لم يكن بمقدوري أن أميز ما بين المفهومين، تمييزا واضحا، أوحتى فهم المقصود بهما، كل ما أدركه أن الموالاة تعني مساندة الحاكم أو الرئيس مهما فعل، وعدم تحميله أي وزر، أي أنني في تلك الفترة لم يكن باستطاعتي أن أعبر بمثل هذا التعبير، عما يدور في

خلجات نفسي، وهذا ربما كان ناتجا عن صغر سني وعدم نضجي ساعتها، أما المعارضة فكانت لا تعني لي شيئا، أي أن المعارضة في نظري، هي مجرد ثلة قليلة من الناس، حرموا من المناصب في الدولة أو لم يساعدهم القدر لتبوئ تلك المناصب، وبالتالي أصبحوا يثرثرون ويتكلمون، ويخالفون النظام ليس لأنهم مواطنون أوفياء، وإنما قناعة منهم بمفهوم "خالف تعرف" هذا هو تصوري وأنا في تلك المرحلة من عمري، ربما كنت أعتبر فيها نفسي ناضجا، أو على الأقل أعتبرني فيها ذا أهمية، وأنني أفكر تفكير الكبار، لكن وبالرغم من هذا التصور الذي كنت أظنه صحيحا، تأكدت أن تصوري كان خاطئا، فأصبحت تتغير الأفكار عندي تدريجيا حتى المفاهيم، وأدركت أن المفاهيم كانت متشابهة عندي وغامضة، وبعيدا عن شخصي، وعما يدور فيه، ولكي نقترب أكثر من الموضوع، إذا أمعنا النظر في مفهوم الموالاة السياسية، في عصرنا الحديث، بعيدا عن مفهومها العام في العصور القديمة، سنجد أن معنى الموالاة، هو أن تقوم مجموعة سياسية أو أفراد، بمناصرة ومؤازرة حكومة ما، كي تؤمّن لها تمرير القوانين. فمثلا داخل مجلس النواب في البلدان الديمقراطية، فإن أي حكومة لا تستطيع أن تمرر أي قانون، ما لم تضمن أغلبية في هذا المجلس، من خلال أعضاء الموالاة، كما لا تستطيع أي حكومة أن تمارس مهماتها، ما لم تؤمّن الأغلبية في البرلمان أثناء التصويت على منح الثقة.

فالموالاة للنظام تعني أن يكون أيُّ نظامٍ سياسيّ مرضياً، عنه شعبياً وسياسياً حتى يستمر في الحكم..

أما مصطلح "المعارضة" في السياسة، فيعني أية جماعة أو مجموعة أفراد، يختلفون مع الحكومة على أساس ثابت وطويل الأمد عادة. ويمكن لهذا المصطلح أن يصف المعارضة المتعلقة بالقضايا، في إطار تشريع واحد أو اقتراح سياسة معينة.

ويطبق االمعارضة، نحو أكثر تحديداً، مع الأحزاب التي تختلف مع الحكومة، داخل قبة البرلمان، وترغب في الحلول محلّها، وغالباً ما تمارس المعارضة في الإطار الشرعي، وضمن المؤسسات الثابتة.

غير أن المعارضة قد ترفض أحياناً النظام السياسي القائم، فتتمرد عليه مما يضفي عليها طابع التطرف. وتضم المعارضة الأشخاص والجماعات والأحزاب التي تكون مناوئة، كلياً أو جزئياً، لسياسة الحكومة.

في بعض البلدان -وخاصة في العالم الثالث- وإذا نظرنا إلى الحكومة الموريتانية الحالية، وافترضنا جدلا أنها قد تجاوبت إلى حد معقول مع مطالب الشارع بمحاربة الفساد، والإصلاح السياسي، وأنها تسير بخطىً ثابتة نحو تحقيق مزيد من المطالب الحقيقية، بتوجيه من رئيس الجمهورية، فإننا نجد كذلك ملفات ما زالت عالقة، لم تستطع الحكومة حلها؛ كارتفاع البطالة، وارتفاع الأسعار.. من هنا أصبح مطلوبا من الحكومة الجرأة والثبات في اتخاذ القرارات، وذلك بالحد من البطالة وليس القضاء عليها؛ لأن البطالة ستبقى موجودة. حتى في الدول المتقدمة نجد البطالة؛ بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، إلا أنه -ومع هذا كله- يجب الحد منها. كما أن من واجب الدولة أن تحافظ على السلم والأمن الاجتماعيين بين مكونات الشعب الواحد، وهذا –كذلك- من مسؤولية النخبة السياسية والنخبة المثقفة الموريتانية؛ خاصة الشابة منها، لأنه في الآونة الأخيرة أصبحت هناك اتهامات وتحركات في مجال حقوق الإنسان، واتهام بعض شرائح المجتمع، للبعض الآخر بما يسمى بالعبودية، وما شابه ذلك.

ومهما يكن، فالأهم من هذا كله أنه أصبح لزاما علينا -سواء كنا موالاة أو معارضة- معالجة جميع المشكلات بعقل وإرادة وتدبير جيدين، وأن نعي جيدا أن هذه المشكلات هي مشكلاتنا جميعا ويجب أن تحل، بغض النظر عمن ارتكبها أومن تصرف تصرفا غير لائق، لأنه يجب أن يكون هدفنا جميعا هو التآخي والمحبة، وليس التباعد والتنافر وتجسيد العنصرية والتفرقة بين أعراقنا.

نحن لا نريد موالاة تقدس الفرد أكثر مما تقدس المصلحة العامة. نريد موالاة تعمل دائما من أجل بناء وطن ينعم فيه الجميع بالعدالة الاجتماعية والمساواة... (فهناك أمر لا يجوز أن نختلف عليه؛ وهو أن رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية هو رئيس الجميع بغض النظر عمن دعمه أو من وقف ضده). لا نريد موالاة تعتبر أن كل ما يصدر من الحكومة {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} فالحاكم والمحكوم، كلاهما بشر وهما معرضان للخطأ؛ وبالتالي يجب أن نسعى دائما إلى تقديم ما هو أفضل، من أجل بناء وطننا الغالي، دون مديح مبالغ فيه، أو ذم مبالغ فيه.

أما المعارضة في موريتانيا فأقول لها: إن أردتم إنهاء الأزمة بأسرع وقت ممكن فيجب عليكم أن تقتنعوا أنكم معارضة، ليس من أجل تبيان مدى تقصير العمل الحكومي ومراقبته فحسب، وإنما من أجل مصلحة هذا البلد الذي هو أمانة في أعناقنا جميعا، وأن تتخلوا عن شعار "إما نحن أو نحرق البلد".

وبالتالي يجب عليكم كأية معارضة، أن تكونوا في المستوى المطلوب، وأن تُفَعِّلوا وتطوروا من خطاباتكم السياسية لإقناع الرأي العام أكثر، وهذا ليس عتابا لكم، ولا ميلا إلى الموالاة؛ وإنما هو مجرد نصيحة، سعيا منا إلى إيجاد حلول سريعة، ترضي جميع الأطراف.

ومع هذا كله فسواء حدث توافق بين المعارضة والموالاة أم لم يحدث، جرى حوار جاد أو لم يجر، فالمؤكد أن من يكتوي -أولا وأخيرا- بنار ذلك الصراع هو المواطن الموريتاني البسيط الذي لا ناقة له ولا جمل في ذلك الصراع؛ همه الوحيد هو أن ينعم بأبسط مقومات الحياة داخل وطنه دونما ظلم أو تعد على حقوقه. هذا فقط ما يريده المواطنون الموريتانيون، البسطاء كما أنه مطلوب من أحزاب المعارضة، أن تعطي الحكومة فرصة لإكمال مسيرتها، وتنتظر النتائج، ومع هذا كله، تبقى حقيقة أن المعارضة والموالاة، تتبدل وتتغير حسب الظروف السياسية، السائدة في البلد، فتنتقل من معسكرٍ إلى آخر في مرحلة من المراحل، وفقاً لاتفاق المصالح أو تعارضها مع الحكومة، فمن كان يوماً معارضاً كان يوماً ًموالياً، ومن كان يوماً موالياً نراه اليوم معارضاً.

نخلص من كل ذلك إلى أن هناك مفاهيم خاطئة عن الموالاة والمعارضة، تم استغلالها من كلا الطرفين، حتى قارب الأمر أن يصل بنا إلى انشطار بلادنا (موريتانيا) إلى قسمين متنافرين، كل قسمٍ يرى أن الآخر على خطأ بيِّنٍ؛ حتى تعدّى التصنيف العام، إلى تصنيف أكثر خصوصية؛ فهذا معارض وطني، وهذا موال غير وطني، أو العكس.

وكما تقول المحامية الدكتورة خلود أديب فإن "الموالاة والمعارضة، قد تغدو كنايةً عن ثنائية متطابقة غير متنافرة، أي وجهان لعملة واحدة، عندما يؤدي التطرف والمغالاة في تبني أيٍّ منها إلى خراب البلد، حيث يدخل مفهوم المعاداة بينها، ليمثل ثلاثية فتاكة تعبث بالوحدة الوطنية وبالاستقرار السياسي.

والبديل يكون بالحوار وإيجاد منطقة مشتركة وسطى بين الطرفين هي حب الوطن، والإصلاح السياسي والاقتصادي، دون اللهاث لتسجيل نقاط انتصار لفئة على حساب أخرى. فالأمر يتعدى السباق والصراع السياسي إلى تصحيح المسار وسلوك طريق ثالث يصل بنا معاً -موالاة ومعارضة- إلى تحقيق مصلحة الوطن العليا...".

ويبقى المواطن الموريتاني لا حول وله ولا قوة، متفرجا على صراع الموالاة والمعارضة دون أن تكون له القدرة على أن يحرك ساكنا، وكأني به يقول ما قاله الشاعر زهير بن أبي سلمى:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعـــــــــــش         ثمانين حولاً، لا أبالك، يســــــــــــــأم

وأعلم علم اليوم والأمس قبلـــــــــه             ولكــــــنني عـــــــــن علم ما في غد عم

تحياتي للجميع...........

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

فيديو

الآن في المكتبات

فيديو

المتواجدون الآن

حاليا يتواجد 1 زائر  على الموقع