| محاضرة الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بـن بيه (ح 3/ 8) |
| الجمعة, 30 مايو 2014 09:04 |
|
كيف نحيي هذه الثقافة؟ كيف نحيي فقه السلم؟ وهو الفقه الذي يقوم على الصلح وعلى التحكيم. التحكيم هو ضرب من أضرب العمل على السلم؛ أن تحكم شخصا، تقول: احكم بيننا، والشريعة أثبتت مبدأ التحكيم وضبطته بضوابط. حتى الإبراء -أبرأتك من كل حق كما قال خليل- هو نوع من العمل على السلم. كيف نحيي هذا الفقه بدلا من الفقه الهيغلي كما أسميه, فقه التغالب الدائم. المرأة ضد الرجل، والرجل ضد المرأة، والنقابة ضد أرباب العمل، وأرباب العمل ضد النقابة.. صحيح أن هذه بيئة عالمية لا يمكن الانفكاك منها ولكن دعونا نحاول أن نقولب هذه البيئة العالمية، أن ندخل عليها بعض القيم الإسلامية حتى تكون ملائمة لبيئتنا، البيئة الإسلامية – يجب أن نعترف بذلك- من جبال الهملايا إلى جبال الأطلس، هذه البيئة لا تقبل - إلى الآن- الاحتكام إلى ما يسمى بالديمقراطية الغربية. أن تكون الكلمة لواحد وخمسين في المائة وكأن الباقين غير موجودين هذا ليس صحيحا في هذه البيئة ويؤدي إلى الاحتراب نتيجة عدم وجود أرضية مشتركة. إذا لم توجد هذه الأرضية المشتركة التي تؤمن للناس السلام، تؤمن للناس شيئا من العافية، تؤمن لهم شيئا من العلاقات.. فإنهم سيحتربون لا محالة. ليس معنى هذا أن نتجاوز الحق، لكن طلب السلم حق أيضا، وبالتالي ندعو الناس إلى هذه الروح الجديدة للبحث عن السلم. أنتم تعرفون في فقهنا، وربما كان هذا من خصائص المذهب المالكي: والصلح يستدعى له إذا ما أشكلا ** حكم، وإن تعين فلا ما لم يخف بنافذ الأحكام ** فتنة اَو شحناء للأرحام إذا خاف فتنة، أن يقتل بعضهم بعضا حينئذ يتوقف عن الحق؛ بل يقول: أنا الآن أدعوكم إلى الصلح. يقول خليل: كأن خشي تفاقم الأمر. هذا وجوبا في مذهبنا لأن المذهب يقوم على سد الذرائع وعلى النظر إلى المآلات. ما سميناه بالقيم، وما سميناه أيضا بفقه السلام، قيم السلام التي تقوم أيضا على الحوار وعلى التنازلات المتبادلة والتسويات المتبادلة وعلى عدم القطيعة. كل هذه المبادئ والأصول كأنها نسيت! هذه المجتمعات التي تقتتل اليوم، والتي قد تقتتل طويلا، لأن الحسم الآن في هذه المرحلة من التاريخ ليس ممكنا. لماذا ليس ممكنا؟ أولا لوجود أسلحة تبيد البشرية. ثانيا لوجود إعلام يحش هذه الحروب. يقول الشاعر الجاهلي: يحشونها بالمشرفية والقنى ** وفتيان صدق لا ضعاف ولا نكل اليوم يحشونها بالإعلام الشديد. أصبح اللسان فيها أشد وقعا من السيف فأصبحت السلمية غير سلمية لأنها تتطاير منها شرارات الشتم وشرارات الاقتتال لتؤول إلى اقتتال. هذا ليس مقبولا، هذا ليس أخلاقا. كيف نعيد الأخلاق الإسلامية لحياتنا؟ هذه أسئلة في هذه المؤتمرات ربما أقول إننا لم نصل إلى الأجوبة النهائية لها. طبعا عندنا الآن تفكير في إنشاء مجوعة من الحكماء المسلمين لتقوم بتأصيلها الفقهي، لتقوم بالذهاب إلى مناطق التوتر لتقدم موعظة، لتبني جسرا يعبر عليه الناس، لتقول للناس: من أراد الجنة فهذه الطريق ليست موصلة إلى الجنة، ومن يريد الدنيا فهذه ليست طريق الدنيا أيضا. إذا سلكت للغور من بطن عالج **فقولا لها: ليس الطريق هنالك! يجب أن يكون هذا واضحا. يجب على الإخوة الفقهاء – وهم هنا والحمد لله- أن يبينوا هذا للناس. هذه ليست طريق الجنة يا إخواني. طريق الجنة هي طريق المحبة «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا. أولا أدلكم على شيء إذا أنتم فعلتموه فيما بينكم تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». السلام ليس كلمة فارغة؛ هو سلوك ومحبة. هذا الحديث في صحيح مسلم؛ ليس من الأحاديث الضعيفة. النبي – صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا تؤمنوا حتى تحابوا» ما معنى ذلك؟ معناه أن المسلم يجب أن يكون مستعدا للحب. ليس معناه أن لا تحب إلا من كان مثل الفضيل وعياض والجنيد.. بل أن تحب الناس جميعا. يعد جميع الناس مولى لأنهم ** على ما قضاه الله يَجرون أفعلا يرى نفسه بالذم أولى لأنها**على المجد لم تلعق من الصبر والألا كما يقول الشاطبي رحمه الله تعالى. فلا بد أن نحاول استعادة شيء من اللحمة. أن نستعيد شيئا من السلام. والسلام يبدأ بالقلب؛ أن لا أظن بمؤمن إلا خيرا سلام القلب. ثم باللسان؛ من سلم المسلمون من لسانه ويده. ثم اليد بعد ذلك. هذا السلام يجب أن نستعيده، أو – على الأقل- يجب أن يستعيده العلماء. العلماء يجب أن يستعيدوا هذه اللغة، وأن يقدموها للناس ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى لا تأييدا لجاهل ولا فاجر. كما كنا نسمع قبل قليل في درس العلامة شيخنا الراحل عند ما تحدث عن قضية فتنة خلق القرآن. في أيام الواثق ناظر العلماء الإمام أحمد لأن الأخير كان يدعو إلى عدم شق عصا الطاعة، فجاءه فقهاء بغداد فقالوا له: نريد خلع الواثق؛ هذا أمر قد تفاقم. فقال لهم الإمام أحمد: لا تشقوا عصا المسلمين وأطيعوا وعليكم بالنُّكْرة بقلوبكم ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا عاقبة أمركم فاصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر. معنى هذا الكلام أن السلام أضمن للحقوق. أن المراهنة على الزمن أولى من إراقة الدماء. هذا هو الترتيب الذي يجب أن كون مثلا. ولهذا حذر الشرع تحذيرا شديدا في أحاديث الطاعة التي أصبح الناس يؤولونها الآن على غير وجهها ويقولون: لا طاعة إلا في معروف. هذا كلام حق أريد به باطل؛ بمعنى أنه كلام من لا يعرف الحقيقة كاملة. الطاعة التي لا تكون إلا في معروف هي طاعة الامتثال؛ أي إذا أمرك بأن تفعل.. والطاعة الأخرى هي طاعة الاهتمال، وهذه في المعروف وغيره «إلا أن تروا كفرا بواحا..» للجمع بين الأحاديث، وكلها في صحيح مسلم. فالاجتزاء في فهم النصوص أدى إلى إشكال، فالأحاديث مستفيضة {فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} ما معنى ذلك؟ هذه ليست مرافعة عن الجور والظلم، لكن هي مرافعة عن الزيادة في الظلم. ولهذا نقول إن تلك الأحاديث هي محكمة ليست منسوخة، والمآلات هي نفس المآلات. يتطور الناس إلى حالة أخرى تسمح بنوع من الحركية ولكن لا يؤدي إلى سفك دماء ولا إلى انشقاقات كبيرة في المجتمع، ولا إلا إضاعة أموال.. نقول: لا بأس! ندرس الواقع، ولكن في هذه البيئة وفي هذه الظروف الشديدة الحساسية على المسلمين أن يراجعوا وأن ينظروا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفي قواعد الشريعة ومقاصدها ليوجدوا حلولا لمشكلاتهم قد تكون أفضل من الاحتراب الجاري الآن في كثير من مناطق العالم الإسلامي. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ننقذ الغريق وأن نطفئ الحريق فمنقذ الغريق ومطفئ الحريق لا يَسألان: لماذا؟ وإنما يسألان: كيف؟ كيف أنقذ هذا الغريق؟ كيف أطفئ هذا الحريق؟ هذا السؤال هو الذي نتعامل معه اليوم في رحلة التجديد، أو رحلة معالجة الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية. ربما كنت قد أطلت عليكم، وأسأل الله تعالى أن يعينني على امتثال وصية مالك وإن كان الإخوة هنا في الصحافة - وأنا أشكو منهم- لا يريدون لأحد أن يمتثلها. قال مالك للشافعي يوصيه بعلم العلماء، وهو لا أدري، فأنا تكلمت. ويوصيه بالحكمة فيقول: إذا كنت في القوم فكن أكثرهم صمتا، فإن هم أصابوا كنت معهم، وإن هم أخطؤوا نجوت. فأستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وأسكت الآن لتتكلموا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
|
