| حين ضيّعني أبي |
| الأحد, 22 يناير 2017 08:15 |
|
عثمان جدو
لي رفيقات هن أقرب من كل الأخوات، أبوح لهن بكامل أسراري - رغم قلتها- ولي منهن المِثل. تختلف نظرتنا في كثير من الأمور ونتلاقى في بعضها؛ سواء أكانت طبيعة تلك الأمور عميقة وجوهرية أم شكلية سطحية. لم يكن طريقنا إلى كسب العلوم ناصع البياض ولا منزوع الأشواك. كنا إذا اجتمعنا أمام القسم ننتظر حضور المدرس، فتارة يطول الانتظار بعدم حضوره ونجدها فرصة لتجميع الأحداث التي عشناها فرادى؛ وتارة يقصر الانتظار بحضور المدرس في الوقت فندخل الفصول لنبدأ رحلة جديدة من رحلات التزود بالعلم والنهل من معينه المفيد. وبعد خروجنا عند انتهاء كل يوم دراسي، قليلات منا من يجدن من ينتظرهنّ من وكلائهنّ لِيُقلّهنّ في سيارته إلى المنزل، وكثيرات منا متنقلات عبر وسائل النقل العمومية التي يطول انتظارها زوالا؛ لتتجدد الفرصة لإكمال بقية الحديث ولحدوث أشياء أخرى! إن مما يؤسف عليه أننا في حال عدم مجيء الأستاذ لا يكون أمامنا إلا التجمهر خارج الثانوية تحت ظلال الحيطان المجاورة؛ نتبادل المعلومات والأفكار، وأي أفكار؟! وليت لنا عقولا تُميز بعمق، وليت لنا أهلا يغلبون مصلحتنا على مشاعرهم الحنونة تجاهنا!! إن كثيرا من تلك المعلومات التي نتبادل والأفكار التي نتشارك غالبا ما تكون أكبر من سننا وتشكل خطرا كبيرا على أخلاقنا ومسارنا التعليمي؛ وطبعا تدفع بنا إلى الانحراف في سلوكنا والانجراف نحو ما فيه ضرر علينا وغايته النهائية استغلالنا حينما غفل عنا الأهل وأهملنا المربون! مما لا شك فيه أن أحاديثنا هذه لا تنطوي على غير المجون وتغذية روافد الانحلال والشذوذ الذي يسميه البعض غراما؛ أبطاله الظاهرون مراهقون يدرسون معنا نتبادل معهم التحية ليس كما هي بالتلويح باليد مع صفاء النية، وإنما بجعل الراحة في الراحة واحتكاك الأجساد وإذابة الأنفاس في الأنفاس!.. سيكون الأمر قليل الخطورة لو بقي في حدود عمرنا (لعب عيال وطيش مراهقين) لكن الذي يخفى على آبائنا وعليهم به العتب في ضياعنا- هو أن رجالا في أعمارهم هم من يركلون سياراتهم بجانبنا، يتصيدون الفرص للإيقاع بنا في شباك قذاراتهم وتلطيخنا بوحل نزواتهم، وتتسع لهم السانحة كلما طال الانتظار تحت الجدران أو تم التموقع في المقاهي القريبة ونقاط بيع الحلويات التي تتيح كلها التلاقي بالمكث فيها وتدعمه بتنشيط الشبكة الخلوية مجانا، إغواء وإغراء وإيقاعا، لا حبا ولا كرامة!! إن هؤلاء الفاشلين أخلاقيا المتربصين بمن هم في أعمار بناتهم لا يجدون عناء كبيرا في إقناع الفتيات الصغيرات والإيقاع بهن، لأن تحصينهن أصلا غير كافٍ، ولأن النفس البشرية ميّالة إلى دواعي الإغراء، ومهما بلغ الجدار من الصلابة فإنه يتداعى مع تواصل وتتابع الضربات. ثم إن الشقق المفروشة التي تنتشر بكثافة غير طبيعية في هذه المدينة - دون رقيب- تعد الحاضنة السيئة لكل تلك الأعمال المشينة التي عادة ما يتوج بها كل ما سبق ذكره. إن كل من يتغافل عن هذه الحقائق واهم وتائه، ومضيع لشرفه ومستهتر ببراءة بناته وأخواته، ومضيع لكل من يتشاركن صفة الأنوثة والبراءة والضياع. |
