| زيارة إلى قبر الزعيم الخالد عبد الناصر |
| الثلاثاء, 23 يوليو 2013 09:19 |
|
هاني سليمان*
ولعل سبب اختيار مصر لانعقاد دورة المؤتمر فيها، هو ما لها بالافتراض المنطقي في كل حين، من دور محوري في تحديد بوصلة الأحداث والمواقف العربية. قبل إعلان نتائج هذا "الاستطلاع" لا بد من ملاحظة أن الشارع السياسي المصري هو شارع مسيس بامتياز لعدة أسباب، وأهمها سببان جوهريان: - السبب الأول هو ما أحدثته ثورة يناير من تكثيف للوعي العام في نفوس المصريين - والسبب الثاني هو الحالة السائدة شعبياً وأمنياً واجتماعياً، وما أفرزته من خيبات جراء ممارسات السلطة السياسية القائمة، وتَغَوّلها على الحياة العامة كما على مؤسسات القضاء والإدارة، في مشروع، تقول المعارضة إنه إقصائي للفئات الأخرى وخاصة تلك التي فجرت الثورة، وحين جاء القِطاف... كان القطّاف غير الزارع، على حد تعبير أحد أقطاب المعارضة الحالية. كانت الإجابات على السؤال عن أحوال مصر تمتاز بالسلبية، مبعثها للأسف قناعة تتفاوت بين شعور بفقدان الأمن، وفقدان مصر لدورها المركزي، وبين الخيبة من عدم تحقق أي من الوعود التي قطعها النظام على نفسه، ولم يفِ باليسير اليسير منها. وبسبب من حالة الوعي السياسي المتميز للمواطن المصري -أقله في القاهرة- فإن أصداء العريضة التي تحمل عنوان "التمرد" التي تدعو النظام ورئيسه للرحيل وإجراء انتخابات مبكرة قد طرقت أسماع المصريين، حتى لبات اهتمام المؤتمر -وقد زاد عدد أعضائه عن مائتين وخمسين- موزعاً بين جدول أعماله الداخلية في الأروقة وبين ما يجري في الشارع. هذه الحالة -ويدي على قلبي- تدعونا إلى التنبه لما سيجري في 30 حزيران القادم، ذكرى انتخاب الرئيس محمد مرسي. لقد استنفرت المعارضة كل طاقتها للنزول الى الشارع، فيما أنصار السلطة يحضرون لاستخدام الشارع ذاته، في مواجهة شعبية ربما ستكون الأخطر في تاريخ مصر الحديث، ما يجعل من حبس الأنفاس مقابل شد الأعصاب، واجباً سياسياً ووطنياً يحمي مصر من ويلات المواجهة الدموية. ولعل أفضل توصيف لما يُتصور أن يحصل في 30 حزيران من هذا الشهر هو ما كتبه السياسي والصحفي العربي الكبير فهمي هويدي (السفير 18 حزيران) تحت عنوان "يسألونك عن فزعة 30 يونيو". قال: "وإذا وضعنا في الاعتبار أن الأجهزة الأمنية لها حدود في الحيلولة دون انفجار الوضع وإشاعة الفوضى في 30 يونيو، فسيبقى أمامنا مخرج واحد نعول عليه في تجنب تلك الأخطار يتمثل في المبادرات السياسية. وإذا كان من الواضح أن أحزاب المعارضة ليس لديها ما تقدمه في هذا الصدد، وما لديها حتى الآن مجرد شروط تستقوي بالأجواء الراهنة غير المؤاتية في ظاهرها، فإن ذلك لا يعفي مؤسسة الرئاسة من مسؤولية المبادرة باعتبار أن موقعها على رأس السلطة وباب المبادرات الساعية الى التلاقي والوفاق مفتوح على مصراعيه، أما طبيعتها فهي متروكة لتقدير الرئاسة. أما إذا رفضت وعاندت مؤثرة الانقلاب على النظام فإن ذلك سيسحب من رصيدها ويشهر إفلاسها أمام الرأي العام". وفي يقيني أن السلطة في مصر، وبالرغم من أنها موصولة بقوى شعبية يشكل "الإخوان المسلمون" قاعدة ملموسة لها في الشارع المصري، فإن هذه السلطة كعقلية وكأداة حكم، أصبحت للأسف أسيرة المبررات والتبريرات، التي تلجأ إليها أية سلطة تضرب الرأي العام بعرض الحائط، وتفضل الحزب على الشعب والسلطة على الأمة. وليس أوضح هذه التبريرات وهذه العقلية، سوى رسالة الرئيس محمد مرسي لرئيس الكيان الصهيوني ووصفه بالصديق العزيز، وليس أقربها ارتباك السلطة في معالجة بناء سد النهضة على نهر النيل في أثيوبيا الذي ينتقص من حصة مصر وحقوقها المعترف بها دولياً في مياه النيل. وليس أبعدها ذلك "الحياد" المفجع في قضية فلسطين، والتنكر الواضح لتضحيات مصر التاريخية اتجاه هذه القضية والتهميش المفجع لدورها المعهود، حتى لبتنا مقتنعين أن النظام القديم يحكمه رئيس جديد. وليس أحزنها سوى الموقف الأخير للرئيس محمد مرسي الذي قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، وهو بذلك يقطع حبل السّـرة بين دولتين تغذى شعبهما من هذا الحبل لمئات السنين، فجعل من مصر دولة طرفاً مع ما يعنيه هذا الطرف من قلة وزن، وبعدٍ عن الحيادية في أقل الإيمان بدل أن تكون دولة مركزاً جامعاً وموحداً. غداة ثورة يونيو، كتبت مقالاً في "الأهرام" المصرية مذكراً "أنه مع كامب ديفيد خرجت مصر من مدارها الطبيعي لتسبح في مدارات أخرى، وبدل أن تكون مصرُ فلكاً بحد ذاته، راحت تدور في أفلاك أخرى، فضعفت جاذبيتها وقوة التأثير لديها". ألا يشكل الأداء الراهن للسلطة امتداداًً فعليا لعهد حسني مبارك الذي طالما انتقده الإخوان المسلمون وكانوا من ضحاياه؟ هل في هذا الكلام ما يحمل على القول بالتجني على حكم "الإخوان المسلمين" لمصر هذه الأيام؟ ونحن في المؤتمر القومي العربي كنا المبادرين الى الحوار بين تيارات الأمة بهدف تشكيل الكتلة التاريخية القومية – الإسلامية التي تقود الأمة الى مستقبلها المنشود. تمثلت مبادرة المؤتمر القومي في السنة الماضية بإيفاد عدد من رموزه وقادته الى القاهرة بهدف إجراء حوار بين السلطة كممثل للإخوان المسلمين، وبين التيار القومي الذي يقوده العروبيون الناصريون والمستقلون والليبراليون، لكن للأسف كانت النتيجة غير مرضية. وهذه السنة، وفي ظل انعقاد المؤتمر القومي العربي، كانت محاولة جادة لإعادة إطلاق الحوار تمثلت بلقاء ضم قيادات ورموز المؤتمر وعضوي المؤتمر الأستاذ حمدين الصباحي، ومؤسس حركة النهضة في تونس الشيخ راشد الغنوشي لوضع القطار مجدداً على سكته الصحيحة في مساحة الوطن العربي عامة، وفي مصر الكنانة خاصة، لكن على ما يبدو.. فإن موعد 30 يونيو يخيم في الأجواء. لن نيأس من تأكيد المؤكد، ومن وجوب الدعوة الى التلاقي وتقديم التنازلات المتبادلة، لأن ذلك يجنب الجميع تنازلات للأعداء. كانت زيارة قبر الزعيم الخالد جمال عبد الناصر مناسبة تاريخية للمؤتمر القومي العربي. بكى البعض هاتفاً: إبكي إبكي ياعروبة ع الّي بَناكِ طوبة طوبة. وأقسم البعض الآخر على المقاومة ومواصلة الدرب، فيما آثر آخرون التقاط الصورة مع صورة القائد، على أمل أن يُريها للجيل الجديد. إن التمسك بالصورة في هذه الحالة ليس هواية فنية، بقدر ما هو فعل ثقافي وإرث تاريخي تجب المحافظة عليه، عنوانه، ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة. عادت الوفود إلى قاعة المؤتمر، وفي الطريق قال أحدهم: مع انهيار دولة الوحدة بين مصر وسوريا نبتت الطفيليات لتنهش جسد الأقطار. وأنت جالس في المطعم على صوت أم كلثوم الصاخب، يمر النيل بقربك هامساً. ونبتهل إلى اللـــه.. اللهمّ نجِّنا من هذا الهمس، إلا إذا استفاقت الحكمة قبل 30 يونيو.
(كتب المقال بتاريخ 21 /6/ 2013 ونشر في جريدة "السفير اللبنانية" بتاريخ 28 /6/ 2013).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي. |
