ذكريات من أزمن الهوان (1)

ها هي "الصنگه" بعد فرقة دهر
مداخلة الأستاذ محمدٌ ولد إشدو في مهرجان المذرذره الدولي
قهرت مدافعنا الغزاه
وتمردت ضد الطغاه
لم تستكن بل قاومت
دهرا ولم تحن الجباه
في النهر.. في والو البعيد
في البحر في كل اتجاه
وروى "لگويشيشي" لنا
مجد الدفاع عن الحياه.
من ديوان "أغاني الوطن"
بعد عودتنا (الرئيس التجاني ولد كريم وأنا) إلى تجگجه في النصف الأخير من سنة 1980، من تيشيت حيث كنا سجينين، أُخِذنا إلى المذرذرة (وتدعى "الصّنگه" أيضا) عبر انواكشوط وروصو، حيث تم تحديد إقامتنا فيها تحت سلطة حاكم المقاطعة الشيخ سيد أعمر ولد سيدنا.. وفي "رعاية" حارس ظريف من أهلنا هو محمد ولد الهلال رحمه الله.
ورغم أني رأيت نور الحياة بـ"الگسم" على بعد أميال جنوب شرق المذرذرة، فلم تكن لي معرفة تذكر بتلك المدينة التي دخلتها فجأة للتمدرس وأنا صبي، وتركتها عندما هَرَّبَتْني والدتي وأخوالي من مدرستها التي لم أكمل فيها الفصل الأول من السنة الابتدائية الأولى، وادّعوا وفاتي بسبب الملاريا التي أصابتني. وقد اقتصرت علاقتي بها بعد ذلك على العبور قاصدا السنغال أو قادما منه. ثم لما وُظِّفت كتب علي الجلاء عنها وعن الأهل في ضواحيها. وها أنا أعود إليها الآن مغلوبا.
هنالك ذكريات صغيرة عن المذرذرة ما تزال راسبة في قاع الذاكرة، منها نصاعة وجمال الأوقية الورقية المتداولة يومئذ، ولذاذة الخبزة الساخنة التي تشترى بتلك الأوقية من مخبزة أهل الصبار الحطبية، والشيخ أحمد سالم ولد بيباه معلم العربية في القسم الابتدائي الذي لقننا أبياتا في العقيدة من نظم ابن عاشر، وMONSIEUR محمد يسلم ولد معاوية معلم الفرنسية في القسم نفسه، الذي علمنا الأبجدية الفرنسية وشيئا من Mamadou et Bineta، والثلاثة منازل التي أطوف بينها وبين القسم الداخلي فأنعم بحنان أمهات ثلاث: "الأم بنت حمادي" (منزل أهل امببو) "عيشه بنت مانو" (منزل أهل الببان) و"مريم بنت المعلوم" (منزل أهل المعلوم).. ومتجر السيد محمد الأمين ولد بشار الذي آخذ منه حاجاتي الصغيرة على حساب والدي. ثم القسم الداخلي، وما أدراك ما القسم الداخلي؟ حيث كان المراقب يومها السيد أعمر ولد محمد بونا ولد اعليّه، وكبير التلاميذ أوّاه ولد لُلَيد (المفوض والحاكم والشيخ بعد ذلك) لكونه أكبرهم سنا. ومن ذكرياتي الصغيرة عن القسم الداخلي استهوان بعض التلاميذ بعضهم واستيلاؤهم على ما في صحونهم، وتقسيم قطع من سكر "التلج" على الأطفال الذين لا يسمح لهم بشرب الشاي! رحم الله الجميع.
***
كانت المذرذرة يومئذ تتألف أساسا من "العلب" و"الگود". وكانت، رغم عراقتها وقدم تأسيسها ومكانتها بصفتها قاعدة مملكة الترارزة، ورغم قربها من عاصمة الولاية (60 كلم) ومن عاصمة البلاد (أقل من 150 كلم) معزولة ومتخلفة جدا؛ لحد أنها تشترك في بعض الخصائص مع تيشيت البعيدة جدا والمعزولة جدا. ولعل من أسباب ذلك رصيدها الطويل في التمرد؛ إذ من محيطها خرج الإمام ناصر الدين ثائرا على الظلم وتعطيل شرع الله، وعلى تجارة الرقيق التي يمارسها النصارى في إفريقيا، وعلى اضطهاد أولي الأمر للرعية. وهي المبادئ التي أعلنها ناصر الدين ونقلها بوبكر باري في كتابه "مملكة والو" عن النخاس شامبونو: "إن الله حرم على أولي الأمر نهب أموال الرعية، وسفك دمائهم، واسترقاق رقابهم؛ بل أوجب عليهم رعايتهم وحمايتهم من أعدائهم. إن الرعية لم تسخر لأولي الأمر؛ بل أولو الأمر هم المسخرون لخدمة الرعية". كما أنجبت الملك محمد لحبيب الذي حالف مملكة والو وحارب فيدرب وكاد أن يحتل سان لويس مرارا. وعلى خطى محمد لحبيب السنية درج أحفاده بياده وسيدي وأحمد ولد الديد.
وإلى المذرذرة ينتمي كذلك - في عصر الدولة الموريتانية- الأميران المهاجران محمد فال ولد عمير والشيخ أحمدو ولد سيدي، والشيخ محمد المختار ولد اباه. وهي أيضا مهد الكثير من قادة الحركة الوطنية الديموقراطية والكادحين كمحمذن ولد باگاه وأخيه محمد رحمه الله، والمفيد ولد الحسن، ومالكيف ولد الحسن، والحسن ولد الحسن (د. حسن) ويسلم ولد ابن عبدم، وأحمد ولد خباه وأخواته؛ خاصة بنت حيبلتي رحمها الله وفاطمه، ومحمذ بابه ولد امين، وأحمد ولد امبيريك، ومحمدْ ولد إشدو رحمه الله، والشيخ أحمد ولد محمذ فال وأخيه بليل، والتجاني وعبد الله ابني كريم، وأحمد سالم ولد التا، وإسلمو ولد سيدي، والحسن ولد الطالب، ومحمد سالم ولد محمد سيديا (ميماه) والنامي ولد محمد الأمين، ومحمد المختار ولد السعد، والمختار بن محمذن وأخويه محمد مختار ومحمدو (د. محمدو ولد امين) وبابه ولد ابگ، وغيرهم.
يضاف إلى ذلك أن أمير الترارزة احبيب ولد أحمد سالم كان على علاقة متأرجحة بين الشد والجذب مع نظام المختار ولد داداه رحمة الله عليهما؛ وخاصة بعد مؤتمر "آوليگ" الذي دعا إليه الأمير قبائل المنطقة، فرأت فيه الدولة تحديا لتوجهاتها وسياساتها التقدمية. وقد آلت الأحوال بالأمير إلى الرحيل عن المذرذرة ومحيطها "احسي المحصر" وتأسيس قرية لبيرد في ضواحي روصو. وبرحيل الأمير عنها أصبحت المذرذرة يتيمة. وفوق هذا وذاك فإن مخيال قبائل الزوايا المقيمة في أحياء متنقلة بضواحي المذرذرة؛ والتي تعيش على تنمية البقر وجني الصمغ وتجارة المفرق في السنغال، وتعاف حياة المدينة وما ينتج عنها من علاقات وطباع تتنافى مع ما درجت هي عليه صاغرا عن كابر، لا تحتفظ لحاضرتها بغير المقت، وكون العالم والأديب الصالح محمد ولد أحمد يوره قد "حبسها" لما حبسه الفرنسيون فيها على خلفية تعليق شعري نسب إليه يتهكم بطريقة نقل أحد ضباط الجيش الفرنسي القتلى في معركة لگويشيشي الخالدة.. وبالتالي فلا يرجى للمذرذرة التقدم في اعتقادهم أبدا! وقد مر بالمذرذرة (الصّنگة) أيضا الشيخ حماه الله في طريقه إلى المنفى. وترك فيها مقدمين.
وجاءت ظواهر الجفاف والتصحر والبطالة وسِنو القهر والضياع التي أعقبت أحداث 16 مارس لتضيف تجاعيد أخرى في جسم تلك الأميرة.. نعم، لقد انتقل الجيل المؤسس للصّنگه إلى رحمة الله مثل سمتّ والبو ولد إفكو ومحمد سالم ولد ابراهيم فال وأبهم وبلال الجولي والخو ولد الشيخ وامبارك اللوصاي ورائعة ويالي وريحانة بنت إشرطان والصبار ومحمد جيل ودهابو.. إلخ. وما عاد أعلام (علماء وشيوخ وشعراء وفنانون) عرفناهم فيها وفي نواحيها يملؤون الدنيا ويشغلون الناس من أمثال محمذ ولد ببها ومحمد سالم ولد ألما والمختار ولد المحبوبي والمختار ولد ابلول وأحمدو ولد محمد محمود (ابن فتى) والمختار ولد حامدٌ وأحمدو ولد احبيّب وأحمد سالم ولد باگا وأحمد سالم ولد بيباه والشيخ الطالب بوي والشيخ اباه ولد بابه والشيخ محمد عبد الحي، ومحمد ولد أبنو وابوه ولد أسياد وأحمدو ولد انگذي ومحمد ولد انگذي وابنه عبد الرحمن وأحمدو والمختار ومحمد وأحمد سالم أبناء الميداح والمختار ولد الببان وأعمر ولد مانو.. ولكن الطامة الكبرى هي هجرة الكثير من سكان المدينة ونواحيها تحت وطأة الجفاف ونفوق البقر وهلاك غابات القتاد والطلح والبشام وما واكب ذلك من ركود وشدة، وبسبب إكراهات دراسة الأطفال - وخاصة البنات- في انواكشوط وروصو أيضا. إذ لم تكن - حتى ذلك الوقت- توجد إعدادية في هذه المقاطعة.
ومع ذلك، فقد ظلت معالم شامخة في بعض أطراف المدينة كشيخها وقاضيها وقدوتها في الفضل، حامد ولد ببها، وكأديبها وحافظة تاريخها وأمجادها وقيمها، أحمد ولد اعلي ولد الميداح رحمهما الله، وبقايا مما ترك آل موسى وآل هارون. وفي حقبة ما بعد أحداث 16 مارس 1981 دخلت موريتانيا عموما - وولايات الترارزة وآدرار وتگانت خصوصا- في دورة من العنف والقمع والإذلال كان نصيب المذرذرة منها وافرا جدا؛ حيث اعتقل جل أطرها بمن فيهم أمير الترارزة احبيب ولد أحمد سالم رحمه الله. وبعد أسابيع وأشهر من الحبس والنفي حددت إقامة بعضهم في المذرذرة، نذكر من بينهم - إضافة إلى المذكورين آنفا- السادة: أعمر ولد احميدها، المفيد ولد الحسن، عبد الرحمن ولد احبيب، ديدي ولد سيد ميله.
وفي هذه الحقبة المظلمة من حياة الوطن بصفة عامة - والمذردرة بصفة خاصة- تأسس نادي عصابة الأربعة (محمد ولد أحمد ولد الميداح دمبه، محمد ولد ابياه ولد عبد الله، أحمد سالم ولد اتا، والمتكلم) كرد وتحدٍّ للقهر ورفض للخنوع والذل، وتثمينا وبعثا للثقافة والقيم الإگيدية والبظانية الكريمة، وشحذا واستنهاضا للهمم الخاملة.
وكان لهذا النادي تاريخ حافل في تلك الفترة؛ حيث أسهم في انتعاش الأدب والفكر وثقافة التمرد والنهوض. الشيء الذي شكل رافدا من روافد 12/12 الذي كان يومها فتحا مبينا على البلاد عامة، وعلى المذرذرة خاصة.
ومع ذلك، فلم يقدم نظام 12/12 الذي دام 20 سنة للمذرذره إلا القليل؛ حيث عجز أطرها المتماهون معه أن يحققوا لها أغلى ما تحتاجه؛ وهو فك العزلة عنها وربطها بانواكشوط. وكان قصارى جهدهم هو "طينوه"! ولم تفك عزلتها إلا في عهد الرئيس محمد ولد عبد العزيز، الذي لم يربطها بانواكشوط فحسب؛ بل وبشقيقها الركيز!
ودون أن أخوض في تفاصيل نشأة ونشاط وأدب نادي عصابة الأربعة، فإني أقول - وقد كررتها مرارا- إن نادي عصابة الأربعة لم يكن لينجح في أداء مهماته الصعبة لولا مساهمة أعضائه الاحتياطيين: محمد ولد أحمدو ولد الميداح، وصباح، ولبابة، وعيشه، وتكيبر، واتبيب.. وكذلك عضوه الفخري يگوى ولد محمذن ولد أحمد ميلود ولد شدار، دفين المذرذرة، الذي تقتدي به العصابة وسارت على خطاه التي تتتبع مغاني سليمى في ذات الكلاب (تنييظه) وانبيكت راها، حيث يقول في إحدى قصائده الجميلة:
فبذات الكلاب مغنى ومغنى ** لسليمى لدى نبيكة راها"
وتقول العصابة في قصيدة لها:
دمن انبيكت راها أمست يبابا ** ولوى الصنگَه في فراغ مخيف.
يتبع