ذكريات من أزمن الهوان (2)

ها هي "الصنگه" بعد فرقة دهر
مداخلة الأستاذ محمدٌ ولد إشدو في مهرجان المذرذره الدولي
ولا بأس - في نهاية هذا العرض- أن نختتمه بنصوص مختارة من أدب العصابة في الحماسة والنسيب والغزل والرثاء وغيره! مع مقدمات تلك النصوص كما وردت في ديوان "أغاني الوطن".
تلمسي
أو هكذا الدهر
في السجن الانفرادي في باسكنو (غناها الفنان الكبير محمد ولد الميداح)
من عجيب العجيب أن تلمسي ** تصبح اليوم ذات شأن بنفسي
ها أنا اليوم في تلمسي أسير ** أي عهد بيني وبين تلمسي؟
أين مني عرائس البحر؟ أين الـ ** ـگبله مني؟ وأين مسقط رأسي؟
نفحة من عبير تلك الروابي ** كيف تغدو هنا رهينة رمس؟!
ووميض من فجرها قد تلالا ** كيف يخبو؛ وليلها جد مُغْسِ؟!
ونشيد من "مَاغَجُّوگَه" أصيل ** كيف يحلو دون انْتَمَاس وكَرْسِ
رب يوم هناك كنت سعيدا ** بين إنسي.. وليلة طاب أُنسي
ألثم البدر في الشفاه رحيقا ** ملء نفسي؛ وصهوة الشمس كأسي
لا أبالي بحادثات الليالي ** أنفق العمر بين جَنْيٍ وَغَرْسِ
أقفرت تلكم الربوع وذلت ** بعد عز.. فيومها غير أمس
"حين غابت بنو أمية عنها ** والبهاليل من بني عبد شمس"
"ذكرتنيهم الخطوب التوالي ** ولقد تُذْكِرُ الخطوب.. وتُنسي"
هكذا الدهر.. إن أساء فصبرا ** سوف يصفو من بعد كد وبؤس
يا بلادي أحببت فيك ضياعي ** وبظلمي رضيت فيك.. وبخسي
لست أبغي في الكون عنك بديلا ** وعزائي أني بأقصاك.. منسي!
باسكنو 1981
بوش الخريف
إن تولى ربيع حب عفيف ** قد جنينا فيه دواني القطوف
وعفا ربع لهونا وهوانا ** وعراه المحول بعد الخريف
دمن "انْبَيْكَتْ رَاهَا" أمست يبابا ** ولوى "الصَّنْگَه" في فراغ مخيف
طال ليلي - ولم يطل قط ليلي ** في رباها- وطال فيها وقوفي
أسكب الدمع والقريض عليها ** وأداري محولها بنزيفي
فتعالي عبر الخيال عسانا ** نلتقي الآن في رحاب الخفيف
واذكريني اذكريني ثم اذكريني ** حق ذكري؛ فلست أنسى أليفي
رب كرب فرجته بأذاني ** و"حجابي" عليك و"اتَّفْتِيفِي"
يوم كنا وصحبنا نتهادى ** واقتطفنا – يادنيا- بوش الخريف!
موسيقى
وفاتنتي إذا ضحكت تلالت ** فصوص الماس تفترش العقيقا
وفاح المسك.. وانتثرت ورود ** على وجناتها.. وشدت موسيقى
يغار البدر منها إن تبدت ** ويطمح أن يكون لها عشيقا!
هـان الكــلام!
رسالة إلى الأميرة مانه بنت محمد لحبيب في رثاء البطلين الأمير العقيد أحمد سالم ولد سيدي ولد محمد لحبيب والوزير العقيد محمد ولد عبد القادر رحمهما الله.
أأميرتي هان الكلام ** وهوى السلام. فلا سلام!
كيف السبيل لمقصدي؟ ** من أين بدئي والختام؟!
خطب ألم بشعبنا ** من هوله صعق الأنام
ذبح الحسينَ المسلمو ** ن؛ ولم ينم بعدُ الإمام!
والشمس أدمى قرصها ** قرضا صراصير الظلام!
والفرد يصلي أمة ** سوء العذاب والانتقام
والليل يترى والنهارْ ** لم يَعْرُ سيرهما انفصام!
أين التمرد والفدا ** والثأر.. أين الانتقام؟
أين المروءة والإبا ** أين الكرامة؟ يا كرام!
ذهب الرجال فلا رجا ** لَ.. ولم تقل شيئا حذام!
أأميرتي صبرا لما ** قد شك قلبك من سهام
ماذا يفيد هنا البكا ** والحزن.. أو يجدي الهيام؟
في ذمة الله الأُلى ** سقطوا على الدرب عظام
ما مات من أبقى ثنا ** في جبهة الدنيا وسام!
معتقل لكصر؛ مارس 1981
صقر مغفر
في زمن الانحطاط يسود المثل الأدنى. وقلما يرفع المرء رأسه وينظر إلى نجوم وكواكب السماء الزاهرة؛ ناهيك عن نجوم وكواكب الأرض الغارقة في وحل القهر والهزيمة!
على غرار الشاعر الفرنسي الكبير أجين بوتيه (Euguène Potier) الذي وقف بين الجثث، يصنع الفجر في درك الهزيمة، بكلمات نبوية رائعة، أخرجتُ هذا المثل الأعلى من طي النسيان، حين وقفت على ضريح الأمير العظيم اعلي شنظوره بن هَدِّي، في قمة هضبة "وَنْوَنْ":
يا عليا في الحياة ** وعليا في الفناءِ
أنت إحدى المعجزات ** في شموخ الكبرياءِ
جبت البراري والصحارى ** ساهما ليل نهارا
حالما تخطب ثارا ** لأمانيك العذارى
عدت.. مرحى صقر مغفر! ** تتهادى.. تتبختر
عدت أقوى.. عدت أكبر ** حاديا جيشا غضنفر
أنت نجم في الأثير ** سار من نور لنور
يتحدى في حبور ** رمسه بين الصخور
أيها الثاوي بعيدا ** بين أفلاك السماءْ
لست في "وَنْوَنْ" غريبا ** بل بنوك الغرباء!
وَنْوَنْ 13 فبراير 1996
إلى طاغيــة
هذه القصيدة أكبر مني ومن بلدي! إنها فعلا "إلى طاغية"! لكنها ليست موجهة إلى طاغية بعينه بقدر ما هي حكاية أمة مع الغزاة والطواغيت من أيام كليب وعمرو ابن هند إلى يومنا هذا! وأعترف بأن جذورها متصلة بقصيدة لشاعر سوداني في الرئيس إبراهيم عبود رويت منها بيتين عن السيد فاتح سنة 1968 عند ما كان طالبا في داكار، هما:
"ولدت سفاحا فلا أنت حــر ** فواجـه مصيرك.. أو فانتحـر!
وأنت محال.. محـال تعيش ** ولو كان ربك أيزنهـــــــــور".
يا ابن الخنى هل حسبت الشعب أنعاما ** تنوشها.. أم تراه صار أغناما؟!
في ذيل أمك أير الكلب؛ هل هزلت ** شنقيط حتى غدا "بيبوط"ضرغاما؟!
لا بارك الله أقواما تقودهمُ ** متى رأيت حمارا ساد أقواما؟
متى وأين تعالى صرح عرشكمُ ** وصرتمُ لبني شنقيط حكاما؟
يا بهلوانا يغيظ الشعب يضحكه ** ويا ذُنيبا حقيرا أصبح الهاما!
يُرغي ويُزْبِد بالإصلاح منتفخا ** ويوسع الشعب إرهاقا وإيلاما
طورا نراه يزيدا في ضلالته ** وتارة عُمَرًا عدلا وإسلاما!
وتارة زاهدا في الحكم ينفقه ** وتارة يملأ الأرجاء إجراما..
هذا الكلام الذي ما زلت تسلحه ** ما عاد يملؤنا جهلا وأوهاما
لو كان يبني كلام فارغ وطنا ** بنى لنا منه أبراجا وأهراما!
فاغرب إلى الخزي عن أوطاننا؛ فهنا ** لا يستقيم به "منگيستو مرياما"
تاريخنا - أيها المعتوه- شاهدة ** آياته أننا لا نخضع الهاما
إنا كبونا؛ وتكبو الخيل عن كرم ** يوما.. وتنهض للثارات أعواما.
من غياهب السجون
شكرا لكم على تنظيم هذا المهرجان، وعلى حسن إصغائكم.
تم